الشوكاني
175
فتح القدير
قوله ( اعلموا أنا الحياة الدنيا لعب ولهو ) لما ذكر سبحانه حال الفريق الثاني وما وقع منهم من الكفر والتكذيب ، وذلك بسبب ميلهم إلى الدنيا وتأثيرها بين لهم حقارتها وأنها أحقر من أن تؤثر على الدار الآخرة ، واللعب هو الباطل ، اللهو كل شئ يتلهى به ثم يذهب . قال قتادة : لعب ولهو : أكل وشرب . قال مجاهد : كل لعب لهو ، وقيل اللعب ما رغب في الدنيا ، واللهو ما ألهى عن الآخرة وشغل عنها ، وقيل اللعب الاقتناء ، واللهو النساء ، وقد تقدم تحقيق هذا في سورة الأنعام ، والزينة التزين بمتاع الدنيا من دون عمل للآخرة ( وتفاخر بينكم ) قرأ الجمهور بتنوين " تفاخر " والظرف صفة له ، أو معمول له ، وقرأ السلمي بالإضافة : أي يفتخر به بعضكم على بعض ، وقيل يتفاخرون بالخلقة والقوة ، وقيل بالأنساب والأحساب كما كانت عليه العرب ( وتكاثر في الأموال والأولاد ) أي يتكاثرون بأموالهم وأولادهم ويتطاولون بذلك على الفقراء ثم بين سبحانه لهذه الحياة شبها ، وضرب لها مثلا فقال ( كمثل غيث أعجب الكفار نباته ) أي كمثل مطر أعجب الزراع نباته ، والمراد بالكفار هنا الزراع لأنهم يكفرون البذر : أي يغطونه بالتراب ، ومعنى نباته : النبات الحاصل به ( ثم يهيج ) أي يجف بعد خضرته وييبس ( فتراه مصفرا ) أي متغيرا عما كان عليه من الخضرة : والرونق إلى لون الصفرة والذبول ( ثم يكون حطاما ) أي فتاتا هشيما متكسرا متحطما بعد يبسه ، وقد تقدم تفسير هذا المثل في سورة يونس والكهف ، والمعنى : أن الحياة الدنيا كالزرع يعجب الناظرين إليه لخضرته وكثرة نضارته . ثم لا يلبث أن يصير هشيما تبنا كأن لم يكن . وقرئ " مصفارا " والكاف في محل نصب على الحال ، أو في محل رفع على أنها خبر بعد خبر أو خبر مبتدإ محذوف . ثم لما ذكر سبحانه حقارة الدنيا وسرعة زوالها ، ذكر ما أعده للعصاة في الدار الآخرة فقال ( وفي الآخرة عذاب شديد ) وأتبعه بما أعده لأهل الطاعة فقال ( ومغفرة من الله ورضوان ) والتنكير فيهما للتعظيم . قال قتادة : عذاب شديد لأعداء الله ، ومغفرة من الله ورضوان لأوليائه وأهل طاعته . قال الفراء : التقدير في الآية إما عذاب شديد ، وإما مغفرة ، فلا يوقف على شديد . ثم ذكر سبحانه بعد الترهيب والترغيب حقارة الدنيا فقال ( وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور ) لمن اغتربها ولم يعمل لآخرته . قال سعيد بن جبير : متاع الغرور لمن لم يشتغل بطلب الآخرة ، ومن اشتغل بطلبها فله متاع بلاغ إلى ما هو خبر منه . وهذه الجملة مقررة للمثل المتقدم ومؤكدة له ، ثم ندب عباده إلى المسابقة إلى ما يوجب المغفرة من التوبة والعمل الصالح ، فإن ذلك سبب إلى الجنة فقال ( سابقوا إلى مغفرة من ربكم ) أي سارعوا مسارعة السابقين بالأعمال الصالحة التي توجب المغفرة لكم من ربكم وتوبوا مما وقع منكم من المعاصي ، وقيل المراد بالآية التكبيرة الأولى مع الإمام قاله مكحول ، وقيل المراد الصف الأول ، ولا وجه لتخصيص ما في الآية بمثل هذا ، بل هو من جملة ما تصدق عليه صدقا شموليا أو بدليا ( وجنة عرضها كعرض السماء والأرض ) أي كعرضهما ، وإذا كان هذا قدر عرضها فما ظنك بطولها . قال الحسن : يعني جميع السماوات والأرضين مبسوطات كل واحدة إلى صاحبتها ، وقيل المراد بالجنة التي عرضها هذا العرض هي جنة كل واحد من أهل الجنة . وقال ابن كيسان : عني به جنة واحدة من الجنات ، والعرض أقل من الطول ، ومن عادة العرب أنها تعبر عن الشئ بعرضه دون طوله ، ومن ذلك قول الشاعر : كأن بلاد الله وهي عريضة * على الخائف المطلوب كفة حابل