الشوكاني

172

فتح القدير

التفسير ثابتا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قبلناه وآمنا به ، وإلا فلا كرامة ولا قبول . وأخرج البيهقي في الشعب عن ابن عباس في قوله ( ولكنكم فتنتم أنفسكم ) قال : بالشهوات واللذات ( وتربصتم ) قال : بالتوبة ( وغرتكم الأماني حتى جاء أمر الله ) قال : الموت ( وغركم بالله الغرور ) قال : الشيطان . سورة الحديد من 16 - 19 قوله ( ألم يأن للذين آمنوا ) يقال أنى لك يأنى أنى : إذا حان . قرأ الجمهور " ألم يأن " وقرأ الحسن وأبو السماك " ألما يأن " وأنشد ابن السكيت : ألما يأن لي أن تجلى عمايتي * وأقصر عن ليلى بلى قد أنى ليا * و ( أن تخشع قلوبهم ) فاعل يأن : أي ألم يحضر خشوع قلوبهم ويجئ وقته ، ومنه قول الشاعر : ألم يأن لي يا قلب أن أترك الجهلا * وأن يحدث الشيب المنير لنا عقلا هذه الآية نزلت في المؤمنين . قال الحسن : يستبطئهم وهم أحب خلقه إليه . وقيل إن الخطاب لمن آمن بموسى وعيسى دون محمد . قال الزجاج : نزلت في طائفة من المؤمنين ، حثوا على الرقة والخشوع ، فأما من وصفهم الله بالرقة والخشوع فطبقة فوق هؤلاء . وقال السدى وغيره : المعنى ألم يأن للذين آمنوا في الظاهر وأسروا الكفر أن تخشع قلوبهم ( لذكر الله ) وسيأتي في آخر البحث ما يقوى قول من قال إنها نزلت في المسلمين ، والخشوع لين القلب ورقته . والمعنى : أنه ينبغي أن يورثهم الذكر خشوعا ورقة ، ولا يكونوا كمن لا يلين قلبه للذكر ولا يخشع له ( وما نزل من الحق ) معطوف على ذكر الله ، والمراد بما نزل من الحق القرآن ، فيحمل الذكر المعطوف عليه على ما عداه مما فيه ذكر الله سبحانه باللسان ، أو خطور بالقلب ، وقيل المراد بالذكر هو القرآن ، فيكون هذا العطف من باب عطف التفسير ، أو باعتبار تغاير المفهومين . قرأ الجمهور " نزل " مشددا مبنيا للفاعل . وقرأ نافع وحفص بالتخفيف مبنيا للفاعل . وقرأ الجحدري وأبو جعفر والأعمش وأبو عمرو في رواية عنه مشددا مبنيا للمفعول . وقرأ ابن مسعود " أنزل " مبنيا للفاعل ( ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل ) قرأ الجمهور بالتحتية على الغيبة جريا على ما تقدم . وقرأ أبو حيوة وابن أبي عبلة بالفوقية على الحساب التفاتا ، وبها قرأ عيسى وابن إسحاق ، والجملة معطوفة على تخشع : أي ألم يأن لهم أن تخشع قلوبهم ولا يكونوا ، والمعنى : النهى لهم عن أن يسلكوا سبيل اليهود والنصارى الذين أوتوا التوراة والإنجيل من قبل نزول القرآن ( فطال عليهم الأمد ) أي طال عليهم الزمان بينهم