الشوكاني

170

فتح القدير

قرأ الجمهور " بأيمانهم " جمع يمين . وقرأ سهل بن سعد الساعدي وأبو حيوة " بإيمانهم " بكسر الهمزة على أن المراد بالإيمان ضد الكفر ، وقيل هو القرآن ، والجار والمجرور في الموضعين في محل نصب على الحال من نورهم : أي كائنا بين أيديهم وبأيمانهم ( بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ) بشراكم مبتدأ ، وخبره جنات على تقدير مضاف : أي دخول جنات ، والجملة مقول قول مقدر : أي يقال لهم هذا ، والقائل لهم هم الملائكة . قال مكي : وأجاز الفراء نصب جنات على الحال ، ويكون اليوم خبر بشراكم ، وهذا بعيد جدا " خالدين فيها " حال مقدرة ، والإشارة بقوله ( ذلك ) إلى النور والبشري ، وهو مبتدأ وخبره ( هو الفوز العظيم ) أي لا يقادر قدره حتى كأنه لا فوز غيره ، ولا اعتداد بما سواه ( يوم يقول المنافقون والمنافقات ) يوم بدل من يوم الأول ، ويجوز أن يكون العامل فيه الفوز العظيم ، ويجوز أن يكون منصوبا بفعل مقدر : أي أذكر ( للذين آمنوا ) اللام للتبليغ كنظائرها . قرأ الجمهور ( انظرونا ) أمرا بوصل الهمزة وضم الظاء من النظر بمعنى الانتظار : أي انتظرونا ، يقولون ذلك لما رأوا المؤمنين يسرع بهم إلى الجنة . وقرأ الأعمش وحمزة ويحيى بن وثاب بقطع الهمزة وكسر الظاء من الإنظار : أي أمهلونا وأخرونا ، يقال أنظرته واستنظرته : أي أمهلته واستمهلته . قال الفراء . تقول العرب أنظرني : أي انتظرني ، . أنشد قول عمرو بن كلثوم : * أبا هند فلا تعجل علينا * وأنظرنا نخبرك اليقينا وقيل معنى انظرونا : انظروا إلينا ، لأنهم إذا نظروا إليهم استقبلوهم بوجوههم فيستضيئون بنورهم ( نقتبس من نوركم ) أي نستضئ منه ، والقبس : الشعلة من النار والسراج ، فلما قالوا ذلك ( قيل ارجعوا وراءكم ) أي قال لهم المؤمنون أو الملائكة زجرا لهم وتهكما بهم : أي ارجعوا وراءكم إلى الموضع الذي أخذنا منه النور ( فالتمسوا نورا ) أي اطلبوا هنالك نورا لأنفسكم ، فإنه من هنالك يقتبس ، وقيل المعنى : ارجعوا إلى الدنيا فالتمسوا النور بما التمسناه به من الإيمان والأعمال الصالحة ، وقيل أرادوا بالنور ما وراءهم من الظلمة تهكما بهم ( فضرب بينهم بسور ) السور : هو الحاجز بين الشيئين ، والمراد به هنا الحاجز بين الجنة والنار ، أو بين أهل الجنة وأهل النار . قال الكسائي : والباء في بسور زائدة . ثم وصف سبحانه السور المذكور فقال ( له باب باطنه فيه الرحمة ) أي باطن ذلك السور . وهو الجانب الذي يلي أهل الجنة فيه الرحمة وهي الجنة ( وظاهره ) وهو الجانب الذي يلي أهل النار ( من قبله العذاب ) أي من جهته عذاب جهنم ، وقيل إن المؤمنين يسبقونهم فيدخلون الجنة ، والمنافقون يحصلون في العذاب وبينهم السور ، وقيل إن الرحمة التي في باطنه نور المؤمنين ، والعذاب الذي في ظاهره ظلمة المنافقين ، ولما ضرب بالسور بين المؤمنين والمنافقين أخبر الله سبحانه عما قاله المنافقون إذ ذاك فقال ( ينادونهم ألم نكن معكم ) أي موافقين لكم في الظاهر نصلي بصلاتكم في مساجدكم ونعمل بأعمال الإسلام مثلكم ، والجملة مستأنفة كأنه قيل : فماذا قال المنافقون بعد ضرب السور بينهم وبين المؤمنين ؟ فقال ( ينادونهم ) ، ثم أخبر سبحانه عما أجابهم به المؤمنون فقال ( قالوا بلى ) أي كنتم معنا في الظاهر ( ولكنكم فتنتم أنفسكم ) بالنفاق وإبطان الكفر . قال مجاهد : أهلكتموها بالنفاق ، وقيل بالشهوات واللذات ( وتربصتم ) بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم وبمن معه من المؤمنين حوادث الدهر ، وقيل تربصتم بالتوبة ، والأول أولى ( وارتبتم ) أي شككتم في أمر الدين ولم تصدقوا ما نزل من القرآن ولا بالمعجزات الظاهرة ( وغرتكم الأماني ) الباطلة التي من جملتها ما كنتم فيه من التربص ، وقيل هو طول الأمل ، وقيل ما كانوا يتمنونه من ضعف المؤمنين . وقال قتادة : الأماني هنا غرور الشيطان ،