الشوكاني

165

فتح القدير

سورة الحديد ( 1 - 6 ) قوله ( سبح لله ما في السماوات والأرض ) أي نزهه ومجده . قال المقاتلان : يعني كل شئ من ذي روح وغيره ، وقد تقدم الكلام في تسبيح الجمادات عند تفسير قوله - وإن من شئ إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم - والمراد بالتسبيح المسند إلى ما في السماوات والأرض من العقلاء وغيرهم والحيوانات والجمادات هو ما يعم التسبيح بلسان المقال كتسبيح الملائكة والإنس والجن ، وبلسان الحال كتسبيح غيرهم ، فإن كل موجود يدل على الصانع . وقد أنكر الزجاج أن يكون تسبيح غير العقلاء هو تسبيح الدلالة وقال : لو كان هذا تسبيح الدلالة وظهور آثار الصنعة لكانت مفهومة ، فلم قال - ولكن لا تفقهون تسبيحهم - وإنما هو تسبيح مقال ، واستدل بقوله - وسخرنا مع داود الجبال يسبحن - فلو كان هذا التسبيح من الجبال تسبيح دلالة لم يكن لتخصيص داود فائدة ، وفعل التسبيح قد يتعدى بنفسه تارة ، كما في قوله - وسبحوه - وباللام أخرى كهذه الآية ، وأصله أن يكون متعديا بنفسه ، لأن معنى سبحته : بعدته عن السوء ، فإذا استعمل باللام فهي إما مزيدة للتأكيد كما في شكرته وشكرت له ، أو هي للتعليل : أي افعل التسبيح لأجل الله سبحانه خالصا له ، وجاء هذا الفعل في بعض الفواتح ماضيا كهذه الفاتحة ، وفي بعضها مضارعا ، وفي بعضها أمرا للإشارة إلى أن هذه الأشياء مسبحة في كل الأوقات لا يختص تسبيحها بوقت دون وقت ، بل هي مسبحة أبدا في الماضي وستكون مسبحة أبدا في المستقبل ( وهو العزيز ) أي القادر الغالب الذي لا ينازعه أحد ولا يمانعه ممانع كائنا ما كان ( الحكيم ) الذي يفعل أفعال الحكمة والصواب ( له ملك السماوات والأرض ) يتصرف فيه وحده ولا ينفذ غير تصرفه وأمره ، وقيل أراد خزائن المطر والنبات وسائر الأرزاق ( يحيي ويميت ) الفعلان في محل رفع على أنهما خبر مبتدإ محذوف ، أو في محل نصب على الحال من ضمير له ، أو كلام مستأنف لبيان بعض أحكام الملك ، والمعنى : أنه يحيي في الدنيا ويميت الأحياء ، وقيل يحيي النطف وهي موات ويميت الأحياء ، وقيل يحيي الأموات للبعث ( وهو على كل شئ قدير ) لا يعجزه شئ كائنا ما كان ( هو الأول ) قبل كل شئ ( والآخر ) بعد كل شئ أي الباقي بعد فناء خلقه ( والظاهر ) العالي الغالب على كل شئ ، أو الظاهر وجوده بالأدلة الواضحة ( والباطن ) أي العالم بما