الشوكاني
162
فتح القدير
بلغت الحلقوم إلى مقرها الذي كانت فيه ( إن كنتم صادقين ) ولن ترجعوها فبطل زعمكم إنكم غير مربوبين ولا مملوكين ، والعامل في قوله إذا بلغت هو قوله ترجعونها ، ولولا الثانية تأكيد للأولى قال الفراء : وربما أعادت العرب الحرفين ومعناهما واحد . ثم ذكر سبحانه طبقات الخلق عند الموت وبعده فقال ( فاما إن كان من المقربين ) أي السابقين من الثلاثة الأصناف المتقدم تفصيل أحوالهم ( فروح وريحان وجنة ونعيم ) قرأ الجمهور " روح " بفتح الراء ، ومعناه الراحة من الدنيا والاستراحة من أحوالها . وقال الحسن : الروح الرحمة . وقال مجاهد : الروح الفرح وقرأ ابن عباس وعائشة والحسن وقتادة ونصر بن عاصم والجحدري " فروح " بضم الراء ، ورويت هذه القراءة عن بعقوب ، قيل ومعنى هذه القراءة الرحمة لأنها كالحياة للمرحوم ، والريحان : الرزق في الجنة ، قاله مجاهد وسعيد ابن جبير ومقاتل . قال مقاتل : هو الرزق بلغة حمير ، يقال خرجت أطلب ريحان الله : أي رزقه ، ومنه قول النمر ابن تولب : سلام الإله وريحانه * ورحمته وسماء درر وقال قتادة : إنه الجنة . وقال الضحاك : هو الرحمة . وقال الحسن : هو الريحان المعروف الذي يشم . قال قتادة والربيع بن خيثم : هذا عند الموت ، والجنة مخبوءة له إلى أن يبعث ، وكذا قال أبو الجوزاء وأبو العالية ، ومعنى وجنة نعيم أنها ذات تنعم ، وارتفاح روح وما بعده على الابتداء ، والخبر محذوف : أي فله روح ( وأما إن كان ) ذلك المتوفى ( من أصحاب اليمين ) وقد تقدم ذكرهم وتفصيل أحوالهم وما أعده الله لهم من الجزاء ( فسلام لك من أصحاب اليمين ) أي لست ترى فيهم إلا ما تحب من السلامة فلا تهتم بهم فإنه يسلمون من عذاب الله ، وقيل المعنى : سلام لك منهم : أي أنت سالم من الاغتمام بهم ، وقيل المعنى : إنهم يدعون لك ويسلمون عليك ، وقيل إنه صلى الله عليه وآله وسلم يحيى بالسلام إكراما ، وقيل هو إخبار من الله سبحانه بتسليم بعضهم على بعض ، وقيل المعنى : سلام لك يا صاحب اليمين من إخوانك أصحاب اليمين ، ( وأما إن كان من المكذبين الضالين ) أي المكذبين بالبعث الضالين عن الهدى ، وهو أصحاب الشمال المتقدم ذكرهم ، وتفصيل أحوالهم ( فنزل من حميم ) أي فله نزل يعد لنزوله من حميم ، وهو الماء الذي قد تناهت حرارته ، وذلك بعد أن يأكل من الزقوم كما تقدم بيانه ( وتصلية جحيم ) يقال أصلاه النار وصلاه : أي إذا جعله في النار ، وهو من إضافة المصدر إلى المفعول ، أو إلى المكان . قال المبرد : وجواب الشرط في هذه الثلاثة المواضع محذوف والتقدير : مهما يكن من شئ فروح الخ . وقال الأخفش : إن الفاء في المواضع الثلاثة هي جواب أما وجواب حرف الشرط . قرأ الجمهور " وتصلية " بالرفع عطفا على فنزل . وقرأ أبو عمرو في رواية عنه بالجر عطفا على حميم : أي فنزل من حميم ومن تصلية جحيم ( إن هذا لهو حق اليقين ) الإشارة إلى ما ذكر في هذه السورة ، أو إلى المذكور قريبا من أحوال المتفرقين لهو حق اليقين : أي محض اليقين وخالصه ، وإضافة حق إلى اليقين من باب إضافة الشئ إلى نفسه . قال المبرد : هو كقولك عين اليقين ومحض اليقين ، هذا عند الكوفيين وجوزوا ذلك لاختلاف اللفظ ، وأما البصريون فيجعلون المضاف إليه محذوفا ، والتقدير : حق الأمر اليقين أو الخبر اليقين ، والفاء في ( فسبح باسم ربك العظيم ) لترتيب ما بعدها على ما قبلها : أي نزهه عما لا يليق بشأنه ، والباء متعلقة بمحذوف : أي فسبح ملتبسا باسم ربك للتبرك به . وقيل المعنى : فصل بذكر ربك ، وقيل الباء زائدة ، والاسم بمعنى الذات . وقيل هي للتعدية لأن سبح يتعدى بنفسه تارة ويتعدى بالحرف أخرى ، والأول أولى .