الشوكاني
160
فتح القدير
مبتدأ محذوف ، والتقدير : فلأنا أقسم بذلك . وقيل إن لا هنا بمعنى ألا التي للتنبيه ، وهو بعيد . وقيل لا هنا على ظاهرها ، وإنها لنفي القسم : أي فلا أقسم على هذا لأن الأمر أوضح من ذلك ، وهذا مدفوع بقوله ( وإنه لقسم لو تعلمون عظيم ) مع تعيين المقسم به والمقسم عليه ، ومعنى قوله ( بمواقع النجوم ) مساقطها ، وهي مغاربها كذا قال قتادة وغيره . وقال عطاء بن أبي رباح : منازلها . وقال الحسن : انكدارها وانتثارها يوم القيامة ، وقال الضحاك : هي الأنواء التي كان أهل الجاهلية يقولون مطرنا بنوء كذا . وقيل المراد بمواقع النجوم نزول القرآن نجوما من اللوح المحفوظ ، وبه قال السدي وغيره ، وحكى الفراء عن ابن مسعود أن مواقع النجوم هو محكم القرآن . قرأ الجمهور " مواقع " على الجمع ، وقرأ ابن مسعود والنخعي وحمزة والكسائي وابن محيصن وورش عن يعقوب بموقع على الإفراد . قال المبرد : موقع ها هنا مصدر ، فهو يصلح للواحد والجمع . ثم أخبر سبحانه عن تعظيم هذا القسم وتفخيمه فقال ( وإنه لقسم لو تعلمون عظيم ) هذه الجملة معترضة بين المقسم به والمقسم عليه ، وقوله ( لو تعلمون ) جملة معترضة بين جزأي الجملة المعترضة ، فهو اعتراض في اعتراض . قال الفراء والزجاج : هذا يدل على أن المراد بمواقع النجوم نزول القرآن ، والضمير في إنه على القسم الذي يدل عليه أقسم ، والمعنى أن القسم بمواقع النجوم لقسم عظيم لو تعلمون . ثم ذكر سبحانه المقسم عليه فقال ( إنه لقرآن كريم ) أي كرمه الله وأعزه ورفع قدره على جميع الكتب ، وكرمه عن أن يكون سحرا أو كهانة أو كذبا ، وقيل إنه كريم لما فيه من كرم الأخلاق ومعالي الأمور ، وقيل لأنه يكرم حافظه ويعظم قارئه . وحكى الواحدي عن أهل المعاني أن وصف القرآن بالكريم ، لأن من شأنه أن يعطي الخير الكثير بالدلائل التي تؤدي إلى الحق في الدين . قال الأزهري : الكريم اسم جامع لما يحمد ، والقرآن كريم يحمد لما فيه من الهدى والبيان والعلم والحكمة ( في كتاب مكنون ) أي مستور مصون ، وقيل محفوظ عن الباطل ، وهو اللوح المحفوظ قاله جماعة ، وقيل هو كتاب . وقال عكرمة : هو التوراة والإنجيل فيهما ذكر القرآن ومن ينزل عليه ، وقال السدي : هو الزبور . وقال مجاهد وقتادة : هو المصحف الذي في أيدينا ( لا يمسه إلا المطهرون ) قال الواحدي : أكثر المفسرين على أن الضمير عائد إلى الكتاب المكنون : أي لا يمس الكتاب المكنون إلا المطهرون ، وهم الملائكة ، وقيل هم الملائكة والرسل من بني آدم ، ومعنى لا يمسه المس الحقيقي ، وقيل معناه : لا ينزل به إلا المطهرون ، وقيل معناه : لا يقرؤه ، وعلى كون المراد بالكتاب المكنون هو القرآن ، فقيل - لا يمسه إلا المطهرون - من الأحداث والأنجاس . كذا قال قتادة وغيره : وقال الكلبي : المطهرون من الشرك . وقال الربيع بن أنس : المطهرون من الذنوب والخطايا . وقال محمد بن الفضل وغيره : معنى لا يمسه : لا يقرؤه إلا المطهرون : أي إلا الموحدون . وقال الفراء : لا يجد نفعه وبركته إلا المطهرون : أي المؤمنون . وقال الحسين بن الفضل : لا يعرف تفسيره وتأويله إلا من طهره الله من الشرك والنفاق . وقد ذهب الجمهور إلى منع المحدث من مس المصحف ، وبه قال علي وابن مسعود وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد وعطاء والزهري والنخعي والحكم وحماد وجماعة من الفقهاء منهم مالك والشافعي . وروى عن ابن عباس والشعبي وجماعة منهم أبو حنيفة ، أنه يجوز للمحدث مسه ، وقد أوضحنا ما هو الحق في هذا في شرحنا للمنتقي فليرجع إليه . قرأ الجمهور " المطهرون " بتخفيف الطاء وتشديد الهاء مفتوحة اسم مفعول . وقرأ سلمان الفارسي بكسر الهاء على أنه اسم فاعل : أي المطهرون أنفسهم . وقرأ نافع وابن عمر وفي روية عنهما ، عيسى بن عمر بسكون الطاء وفتح الهاء خفيفة ، اسم مفعول من أطهر ، وقرأ الحسن وزيد بن علي وعبد الله بن عوف بتشديد الطاء وكسر الهاء وأصله