الشوكاني

14

فتح القدير

تأكيدا لقوله أرأيتم : أي أخبروني أروني والمفعول الثاني لأرأيتم ماذا خلقوا ، ويحتمل أن لا يكون تأكيدا ، بل يكون هذا من باب التنازع ، لأن أرأيتم يطلب مفعولا ثانيا ، وأروني كذلك ( أم لهم شرك في السماوات ) أم هذه هي المنقطعة المقدرة ببل والهمزة ، والمعنى : بل ألهم شركة مع الله فيها ، والاستفهام للتوبيخ والتقريع ( ائتوني بكتاب من قبل هذا ) هذا تبكيت لهم وإظهار لعجزهم وقصورهم عن الإتيان بذلك ، والإشارة بقوله هذا إلى القرآن ، فإنه قد صرح ببطلان الشرك ، وأن الله واحد لا شريك له ، وأن الساعة حق لا ريب فيها ، فهل للمشركين من كتاب يخالف هذا الكتاب ، أو حجة تنافي هذه الحجة ( أو أثارة من علم ) . قال في الصحاح : أو أثارة من علم بقية منه ، وكذا الأثرة بالتحريك . قال ابن قتيبة : أي بقية من علم الأولين . وقال الفراء والمبرد : يعني ما يؤثر عن كتب الأولين . قال الواحدي : وهو معنى قول المفسرين . قال عطاء : أو شئ تأثرونه عن نبي كان قبل محمد صلى الله عليه وآله وسلم . قال مقاتل : أو رواية من علم عن الأنبياء . وقال الزجاج : أو أثارة : أي علامة ، والأثارة مصدر كالسماحة والشجاعة ، وأصل الكلمة من الأثر ، وهي الرواية : يقال أثرت الحديث آثره أثرة وأثارة وأثرا : إذا ذكرته عن غيرك . قرأ الجمهور " أثارة " على المصدر كالسماحة والغواية . وقرأ ابن عباس وزيد ابن علي وعكرمة والسلمي والحسن وأبو رجاء بفتح الهمزة والثاء من غير ألف . وقرأ الكسائي " أثرة " بضم الهمزة وسكون الثاء ( إن كنتم صادقين ) في دعواكم التي تدعونها ، وهي قولكم إن لله شريكا ولم تأتوا بشئ من ذلك فتبين بطلان قولهم لقيام البرهان العقلي والنقلي على خلافه ( ومن أضل ممن يدعوا من دون الله من لا يستجيب له ) أي لا أحد أضل منه ولا أجهل فإنه دعا من لا يسمع ، فكيف يطمع في الإجابة فضلا عن جلب نفع أو دفع ضر ؟ فتبين بهذا أنه أجهل الجاهلين وأضل الضالين ، والاستفهام للتقريع والتوبيخ ، وقوله ( إلى يوم القيامة ) غاية لعدم الاستجابة ( وهم عن دعائهم غافلون ) الضمير الأول للأصنام ، والثاني لعابديها ، والمعنى : والأصنام التي يدعونها عن دعائهم إياها غافلون عن ذلك ، لا يسمعون ولا يعقلون لكونهم جمادات ، والجمع في الضميرين باعتبار معنى من ، وأجرى على الأصنام ما هو للعقلاء لاعتقاد المشركين فيها أنها تعقل ( وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء ) أي إذا حشر الناس العابدين للأصنام كان الأصنام لهم أعداء يتبرأ بعضهم من بعض ويلعن بعضهم بعضا وقد قيل إن الله يخلق الحياة في الأصنام فتكذبهم . وقيل المراد أنها تكذبهم وتعاديهم بلسان الحال لا بلسان المقال . وأما الملائكة والمسيح وعزير والشياطين فإنهم يتبرءون ممن عبدهم يوم القيامة كما في قوله تعالى - تبرأنا إليك ما كانوا إيانا يعبدون - ( وكانوا بعبادتهم كافرين ) أي كان المعبودون بعبادة المشركين إياهم كافرين : أي جاحدين مكذبين وقيل الضمير في كانوا للعابدين كما في قوله - والله ربنا ما كنا مشركين - ، والأول أولى ( وإذا تتلى عليهم آياتنا ) أي آيات القرآن حال كونها ( بينات ) واضحات المعاني ظاهرات الدلالات ( قال الذين كفروا للحق ) أي لأجله وفي شأنه ، وهو عبارة عن الآيات ( لما جاءهم ) أي وقت أن جاءهم ( هذا سحر مبين ) أي ظاهر السحرية ( أم يقولون افتراه ) أم هي المنقطعة : أي بل أيقولون افتراه والاستفهام للإنكار والتعجب من صنيعهم ، وبل للانتقال عن تسميتهم الآيات سحرا إلى قولهم : إن رسول الله افترى ما جاء به ، وفي ذلك من التوبيخ والتقريع ما لا يخفي ثم أمره الله سبحانه أن يجيب عنهم فقال ( قل إن افتريته فلا تملكون لي من الله شيئا ) أي قل إن افتريته على سبيل الفرض والتقدير : كما تدعون ، فلا تقدرون على أن تردوا عني عقاب الله ، فكيف افترى على الله لأجلكم وأنتم لا تقدرون على دفع عقابه عني ( هو أعلم بما تفيضون فيه ) أي تخوضون فيه من التكذيب والإفاضة في الشئ الخوض فيه والاندفاع فيه ، يقال أفاضوا في الحديث : أي اندفعوا فيه ، وأفاض البعير : إذا دفع جرته من كرشه .