الشوكاني

137

فتح القدير

وضم الراء ، وقرأ حمزة والكسائي بالتحتية مفتوحة مع ضم الراء : أي سيفرغ الله ، وقرأ الأعرج بالنون مع فتح الراء . قال الكسائي : هي لغة تميم ، وقرأ عيسى الثقفي بكسر النون وفتح الراء ، وقرأ الأعمش وإبراهيم بضم الياء وفتح الراء على البناء للمفعول ، وسمى الجن والإنس ثقلين لعظم شأنهما بالنسبة إلى غيرهما من حيوانات الأرض ، وقيل سموا بذلك لأنهم ثقل على الأرض أحياء وأمواتا كما في قوله - وأخرجت الأرض أثقالها - وقال جعفر الصادق : سميا ثقلين لأنهما مثقلان بالذنوب ، وجمع في قوله " لكم " ثم قال " أيه الثقلان " لأنهما فريقان ، وكل فريق جمع . قرأ الجمهور " أيه الثقلان " بفتح الهاء ، وقرأ أهل الشام بضمها ( فبأي آلاء ربكما تكذبان ) فإن من جملتها ما في هذا التهديد من النعم ، فمن ذلك أنه ينزجر به المسئ عن إساءته ، ويزداد به المحسن إحسانا فيكون ذلك سببا للفوز بنعيم الدار الآخرة الذي هو النعيم في الحقيقة ( يا معشر الجن والإنس ) قدم الجن هنا لكون خلق أبيهم متقدما على خلق آدم ، ولوجود جنسهم قبل جنس الإنس ( إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض ) أي إن قدرتم أن تخرجوا من جوانب السماوات والأرض ونواحيهما هربا من قضاء الله وقدره ( فانفذوا ) منها وخلصوا أنفسكم ، يقال نفذ الشئ من الشئ : إذا خلص منه كما يخلص السهم ( لا تنفذون إلا بسلطان ) أي لا تقدرون على النفوذ إلا بقوة وقهر ولا قوة لكم على ذلك ولا قدرة ، والسلطان : القوة التي يتسلط بها صاحبها على الأمر ، والأمر بالنفوذ : أمر تعجيز . قال الضحاك : بينما الناس في أسواقهم إذ انفتحت السماء ونزلت الملائكة فهرب الجن والإنس فتحدق بهم الملائكة ، فذلك قوله - لا تنفذون إلا بسلطان - . قال ابن المبارك : إن ذلك يكون في الآخرة . وقال الضحاك أيضا : معنى الآية : إن استطعتم أن تهربوا من الموت فاهربوا . وقيل إن استطعتم أن تعلموا ما في السماوات والأرض فأعلموه ولن تعلموه إلا بسلطان : أي ببينة من الله . وقال قتادة : معناها لا تنفذوا إلا بملك وليس لكم ملك . وقيل الباء بمعنى إلى : أي لا تنفذون إلا إلى سلطان ( فبأي آلاء ربكما تكذبان ) ومن جملتها هذه النعمة الحاصلة بالتحذير والتهديد ، فإنها تزيد المحسن إحسانا ، وتكف المسئ عن إساءته ، مع أن من حذركم وأنذركم قادر على الإيقاع بكم من دون مهلة ( يرسل عليكما شواظ من نار ) قرأ الجمهور " يرسل " بالتحتية مبنيا للمفعول ، وقرأ زيد بن علي بالنون ونصب " شواظ " والشواظ : اللهب الذي لا دخان معه . وقال مجاهد : الشواظ اللهب الأخضر المتقطع من النار . وقال الضحاك : هو الدخان الذي يخرج من اللهب ليس بدخان الحطب ، وقال الأخفش وأبو عمرو : هو النار والدخان جميعا . قرأ الجمهور : " شواظ " بضم الشين ، وقرأ ابن كثير بكسرها وهما لغتان ، وقرأ الجمهور ( ونحاس ) بالرفع عطفا على شواظ ، وقرأ ابن كثير وابن محيصن ومجاهد وأبو عمرو بخفضه عطفا على نار ، وقرأ الجمهور " نحاس " بضم النون ، وقرأ مجاهد وعكرمة وحميد وأبو العالية بكسرها . وقرأ مسلم بن جندب والحسن " ونحس " والنحاس : الصفر المذاب يصب على رؤوسهم ، قاله مجاهد وقتادة وغيرهما . وقال سعيد بن جبير : هو الدخان الذي لا لهب له ، وبه قال الخليل . وقال الضحاك : هو دردي الزيت المغلي . وقال الكسائي هو النار التي لها ريح شديدة ، وقيل هو المهل ( فلا تنتصران ) أي لا تقدران على الامتناع من عذاب الله ( فبأي آلاء ربكما تكذبان ) فإن من جملتها هذا الوعيد الذي يكون به الانزجار عن الشر والرغوب في الخير ( فإذا انشقت السماء ) أي انصدعت بنزول الملائكة يوم القيامة ( فكانت وردة كالدهان ) أي كوردة حمراء . قال سعيد بن جبير وقتادة : المعنى فكانت حمراء ، وقيل فكانت كلون الفرس الورد ، وهو الأبيض الذي يضرب إلى الحمرة أو الصفرة . قال الفراء وأبو عبيدة : تصير السماء كالأديم لشدة حر النار . وقال الفراء أيضا : شبه تلون السماء بتلون الورد من الخيل ، وشبه الورد في ألوانها بالدهن واختلاف ألوانه ، والدهان جمع دهن ، وقيل المعنى