الشوكاني
132
فتح القدير
والمراد بسجودهما انقيادهما لله تعالى انقياد الساجدين من المكلفين . وقال الفراء : سجودهما أنهما يستقبلان ، الشمس إذا طلعت ، ثم يميلان معها حين ينكسر الفئ . وقال الزجاج : سجودهما دوران الظل معهما ، كما في قوله - يتفيؤ ظلاله - وقال الحسن ومجاهد : المراد بالنجم نجم السماء وسجوده طلوعه ، ورجح هذا ابن جرير . وقيل سجوده أفوله ، وسجود الشجر : تمكينها من الاجتناء لثمارها . قال النحاس : أصل السجود الاستسلام والانقياد لله ، وهذه الجملة والتي قبلها خبران آخران للرحمن ، وترك الرابط فيهما لظهوره كأنه قيل : الشمس والقمر بحسبانه والنجم والشجر يسجدان له ( والسماء رفعها ) قرأ الجمهور بنصب السماء على الاشتغال . وقرأ أبو السماك بالرفع على الابتداء ، والمعنى : أنه جعل السماء مرفوعة فوق الأرض ( ووضع الميزان ) المراد بالميزان العدل : أي وضع في الأرض العدل الذي أمر به كذا قال مجاهد وقتادة والسدي وغيرهم ، قال الزجاج : المعنى أنه أمرنا بالعدل ، ويدل عليه قوله ( ألا تطغوا في الميزان ) أي لا تجاوزوا العدل ، وقال الحسن والضحاك : المراد به آلة الوزن ليتوصل بها إلى الإنصاف والانتصاف . وقيل الميزان القرآن لأن فيه بيان ما يحتاج إليه ، وبه قال الحسين بن الفضل ، والأول أولى . ثم أمر سبحانه بإقامة العدل بعد إخباره للعباد بأنه وضعه لهم فقال ( وأقيموا الوزن بالقسط ) أي قوموا وزنكم بالعدل ، وقيل المعنى : أقيموا لسان الميزان بالعدل ، وقيل المعنى : أنه وضع الميزان في الآخرة لوزن الأعمال ، و " أن " في قوله " ألا تطغوا " مصدرية : أي لئلا تطغوا ، ولا نافية : أي وضع الميزان لئلا تطغوا ، وقيل هي مفسرة ، لأن في الوضع معنى القول ، والطغيان مجاوزة الحد ، فمن قال الميزان العدل ، قال طغيانه الجور ومن قال الميزان الآلة التي يوزن بها ، قال طغيانه البخس ( ولا تخسروا الميزان ) أي لا تنقصوه : أمر سبحانه أولا بالتسوية ، ثم نهى عن الطغيان الذي هو المجاوزة للحد بالزيادة ، ثم نهى عن الخسران الذي هو النقص والبخس ، قرأ الجمهور " تخسروا " بضم التاء وكسر السين من أخسر ، وقرأ بلال بن أبي برزة وأبان بن عثمان وزيد بن علي بفتح التاء والسين من خسر ، وهما لغتان : يقال أخسرت الميزان وخسرته . ثم لما ذكر سبحانه أنه رفع السماء ذكر أنه وضع الأرض فقال ( والأرض وضعها للأنام ) أي بسطها على الماء لجميع الخلق مما له روح وحياة ، ولا وجه لتخصيص الأنام بالإنس والجن . قرأ الجمهور بنصب الأرض على الاشتغال ، وقرأ أبو السماك بالرفع على الابتداء وجملة ( فيها فاكهة ) في محل نصب على أنها حال من الأرض مقدرة ، وقيل مستأنفة لتقرير مضمون الجملة التي قبلها ، والمراد بها كل ما يتفكه به من أنواع الثمار . ثم أفرد سبحانه النخل بالذكر لشرفه ومزيد فائدته على سائر الفواكه فقال ( والنخل ذات الأكمام ) الأكمام جمع كم بالكسر ، وهو وعاء التمر . قال الجوهري : والكم بالكسر والكمامة وعاء الطلع وغطاء التنور ، والجمع كمام وأكمة وأكمام . قال الحسن : ذات الأكمام : أي ذات الليف ، فإن النخلة تكسم بالليف وكمامها ليفها ، وقال ابن زيد : ذات الطلع قبل أن يتفتق . وقال عكرمة : ذات الأحمال ( والحب ذو العصف والريحان ) الحب هو جميع ما يقتات من الحبوب والعصف . قال السدى والفراء : هو بقل الزرع ، وهو أول ما ينبت به . قال ابن كيسان : يبدو أولا ورقا ، وهو العصف ، ثم يبدو له ساق ، ثم يحدث الله فيه أكماما ، ثم يحدث في الأكمام الحب . قال الفراء : والعرب تقول خرجنا نعصف الزرع إذا قطعوا منه قبل أن يدرك ، وكذا قال الصحاح . وقال الحسن : العصف التبن ، وقال مجاهد : هو ورق الشجر والزرع . وقيل هو ورق الزرع الأخضر إذا قطع رأسه ويبس ، ومنه قوله - كعصف مأكول - ، وقيل هو الزرع الكثير . يقال قد أعصف الزرع ومكان معصف : أي كثير الزرع ، ومنه قول أبي قيس بن الأسلت :