الشوكاني
129
فتح القدير
بالتحتية مبنيا للفاعل ، وقرئ بالفوقية مبنيا للفاعل ( ويولون الدبر ) قرأ الجمهور " يولون " بالتحتية ، وقرأ عيسى وابن أبي إسحاق وورش عن يعقوب بالفوقية على الخطاب ، والمراد بالدبر الجنس ، وهو في معنى الإدبار ، وقد هزمهم الله يوم بدر وولوا الأدبار ، وقتل رؤساء الشرك وأساطين الكفر ، فلله الحمد ( بل الساعة موعدهم ) أي موعد عذابهم الأخروي ، وليس هذا العذاب الكائن في الدنيا بالقتل والأسر والقهر هو تمام ما وعدوا به من العذاب ، وإنما هو مقدمة من مقدماته وطليعة من طلائعه ، ولهذا قال ( والساعة أدهى وأمر ) أي وعذاب الساعة أعظم في الضر وأفظع ، مأخوذ من الدهاء ، وهو النكر والفظاعة ، ومعنى أمر : أشد مرارة من عذاب الدنيا ، يقال دهاه أمر كذا : أي أصابه دهوا ودهيا ( إن المجرمين في ضلال وسعر ) أي في ذهاب عن الحق وبعد عنه ، وقد تقدم في هذه السورة تفسير وسعر فلا نعيده ( يوم يسحبون في النار على وجوههم ) والظرف منتصب بما قبله : أي كائنون في ضلال وسعر يوم يسحبون ، أو بقول مقدر بعده : أي يوم يسحبون يقال لهم ( ذوقوا مس سقر ) أي قاسوا حرها وشدة عذابها ، وسقر علم لجهنم . وقرأ أبو عمرو في رواية عنه بإدغام سين مس في سين سقر ( إنا كل شئ خلقناه بقدر ) قرأ الجمهور بنصب كل على الاشتغال . وقرأ أبو السماك بالرفع ، والمعنى : أن كل شئ من الأشياء خلقه الله سبحانه ملتبسا بقدر قدره وقضاء قضاه سبق في علمه مكتوب في اللوح المحفوظ قبل وقوعه ، والقدر التقدير ، وقد قدمنا الكلام على تفسير هذه الآية مستوفى ( وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر ) أي إلا مرة واحدة أو كلمة واحدة كلمح بالبصر في سرعته ، واللمح : النظر على العجلة والسرعة . وفي الصحاح لمحه وألمحه : إذا أبصره بنظر خفيف ، والاسم اللمحة . قال الكلبي : وما أمرنا بمجئ الساعة في السرعة إلا كطرف البصر ( ولقد أهلكنا أشياعكم ) أي أشباهكم ونظراءكم في الكفر من الأمم ، وقيل أتباعكم وأعوانكم ( فهل من مدكر ) يتذكر ويتعظ بالمواعظ ويعلم أن ذلك حق ، فيخاف العقوبة وأن يحل به ما حل بالأمم السالفة ( وكل شئ فعلوه في الزبر ) أي جميع ما فعلته الأمم من خير أو شر مكتوب في اللوح المحفوظ ، وقيل في كتب الحفظة ( وكل صغير وكبير مستطر ) أي كل شئ من أعمال الخلق وأقوالهم وأفعالهم مسطور في اللوح المحفوظ صغيره وكبيره وجليله وحقيره يقال : سطر يسطر سطرا كتب ، وأسطر مثله . ثم لما فرغ سبحانه من ذكر حال الأشقياء ذكر حال السعداء فقال ( إن المتقين في جنات ونهر ) أي في بساتين مختلفة وجنان متنوعة وأنهار متدفقة . قرأ الجمهور " ونهر " بفتح الهاء على الإفراد ، وهو جنس يشمل أنهار الجنة وقرأ مجاهد والأعرج وأبو السماك بسكون الهاء وهما لغتان ، وقرأ أبو مجلز وأبو نهشل والأعرج وطلحة بن مصرف وقتادة " نهر " بضم النون والهاء على الجمع ( في مقعد صدق ) أي في مجلس حق لا لغو فيه ولا تأثيم ، وهو الجنة ( عند مليك مقتدر ) أي قادر على ما يشاء لا يعجزه شئ . وعندها هنا كناية عن الكرامة وشرف المنزلة ، وقرأ عثمان البتي " في مقاعد صدق " . وقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس ( أكفاركم خير من أولئكم ) يقول : ليس كفاركم خير من قوم نوح وقوم لوط . وأخرج ابن أبي شيبة وابن منيع وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عنه في قوله ( سيهزم الجمع ويولون الدبر ) قال : كان ذلك يوم بدر قالوا ( نحن جميع منتصر ) فنزلت هذه الآية . وفي البخاري وغيره عنه أيضا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال وهو في قبة له يوم بدر " أنشدك عهدك ووعدك ، اللهم إن شئت لم تعبد بعد اليوم أبدا ، فأخذ أبو بكر بيده وقال : حسبك يا رسول الله ألححت على ربك ، فخرج وهو يثب في الدرع ويقول ( سيهزم الجمع ويولون الدبر ، بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر ) " . وأخرج أحمد وعبد بن حميد