الشوكاني
117
فتح القدير
زيد ، واختاره ابن جرير . وقال مجاهد وقتادة والحسن : أغنى : مول ، وأقنى : أخدم ، وقيل معنى أقنى : أعطى القنية ، وهي ما يتأثل من الأموال . وقيل معنى أقني أرضى بما أعطى : أي أغناه ، ثم رضاه بما أعطاه . قال الجوهري : قني الرجل قنى ، مثل غنى غنى : أي أعطاه ما يقتني ، وأقناه أرضاه ، والقني الرضى . قال أبو زيد : مائة من الإبل فقد أعطى المنى . قال الأخفش وابن كيسان : أقني أفقر ، وهو يؤيد القول الأول ( وأنه هو رب الشعري ) هي كوكب خلف الجوزاء كانت خزاعة تعبدها ، والمراد بها الشعري التي يقال لها العبور ، وهي أشد ضياء من الشعري التي يقال لها الغميصاء ، وإنما ذكر سبحانه أنه رب الشعري مع كونه ربا لكل الأشياء للرد على من كان يعبدها ، وأول من عبدها أبو كبشة ، وكان من أشراف العرب ، وكانت قريش تقول لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ابن أبي كبشة تشبيها له به لمخالفته دينهم كما خالفهم أبو كبشة ، ومن ذلك قول أبي سفيان يوم الفتح : لقد أمر أمر ابن أبي كبشة ( وأنه أهلك عادا الأولى ) وصف عادا بالأولى لكونهم كانوا من قبل ثمود . قال ابن زيد : قيل لها عادا الأولى ، لأنهم أول أمة أهلكت بعد نوح . وقال ابن إسحاق : هما عادان ، فالأولى أهلكت بالصرصر ، والأخرى أهلكت بالصيحة . وقيل عاد الأولى قوم هود وعاد الأخرى إرم . قرأ الجمهور " عادا الأولى " بالتنوين والهمز ، وقرأ نافع وابن كثير وابن محيصن بنقل حركة الهمزة على اللام وإدغام التنوين فيها ( وثمودا فما أبقى ) أي وأهلك ثمودا كما أهلك عادا فما أبقى أحدا من الفريقين ، وثمود هم قوم صالح أهلكوا بالصيحة ، وقد تقدم الكلام على عاد وثمود في غير موضع ( وقوم نوح من قبل ) أي وأهلك قوم نوح من قبل إهلاك عاد وثمود ( إنهم كانوا هم أظلم وأطغى ) أي أظلم من عاد وثمود وأطغى منهم ، أو أظلم وأطغى من جميع الفرق الكفرية ، أو أظلم وأطغى من مشركي العرب ، وإنما كانوا كذلك لأنهم عتوا على الله بالمعاصي مع طول مدة دعوة نوح لهم ، كما في قوله - فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما - ( والمؤتفكة أهوى ) الائتفاك الانقلاب ، والمؤتفكة مدائن قوم لوط ، وسميت المؤتفكة لأنها انقلبت بهم وصار عاليها سافلها ، تقول أفكته إذا قلبته ، ومعنى أهوى أسقط : أي أهواها جبريل بعد أن رفعها . قال المبرد : جعلها تهوى ( فغشاها ما غشى ) أي ألبسها ما ألبسها من الحجارة التي وقعت عليها ، كما في قوله - فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل - وفي هذه العبارة تهويل للأمر الذي غشاها به وتعظيم له ، وقيل إن الضمير راجع إلى جميع الأمم المذكورة : أي فغشاها من العذاب ما غشى على اختلاف أنواعه ( فبأي آلاء ربك تتمارى ) هذا خطاب للإنسان المكذب : أي فبأي نعم ربك أيها الإنسان المكذب تشكك وتمتري ، وقيل الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تعريضا لغيره ، وقيل لكل من يصلح له ، وإسناد فعل التماري إلى الواحد باعتبار تعدده بحسب تعدد متعلقه وسمى هذه الأمور المذكورة آلاء : أي نعما مع كون بعضها نقما لا نعما ، لأنها مشتملة على العبر والمواعظ ، ولكون فيها انتقام من العصاة ، وفي ذلك نصرة للأنبياء والصالحين . قرأ الجمهور " تتمارى " من غير إدغام ، وقرأ يعقوب وابن محيصن بإدغام إحدى التاءين في الأخرى ( هذا نذير من النذر الأولى ) أي هذا محمد رسول إليكم من الرسل المتقدمين قبله فإنه أنذركم كما أنذروا قومهم ، كذا قال ابن جريج ومحمد بن كعب وغيرهما ، وقال قتادة : يريد القرآن ، وأنه أنذر بما أنذرت به الكتب الأولى ، وقيل هذا الذي أخبرنا به عن أخبار الأمم تخويف لهذه الأمة من أن ينزل بهم ما نزل بأولئك ، كذا قال أبو مالك . وقال أبو صالح : إن الإشارة بقوله " هذا " إلى ما في صحف موسى وإبراهيم ، والأول أولى ( أزفت الآزفة ) أي قربت الساعة ودنت ، سماها آزفة لقرب قيامها ، وقيل لدنوها من الناس ،