الشوكاني

11

فتح القدير

إلى حسابها ، وقيل اللوح المحفوظ ، والأول أولى . قرأ الجمهور " كل أمة " بالرفع على الابتداء ، وخبره : تدعى ، وقرأ يعقوب الحضرمي بالنصب على البدل من كل أمة ( اليوم تجزون ما كنتم تعملون ) أي يقال لهم اليوم تجزون ما كنتم تعملون من خير وشر ( هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق ) هذا من تمام ما يقال لهم ، والقائل بهذا هم الملائكة وقيل هو من قول الله سبحانه : أي يشهد عليكم ، وهو استعارة ، يقال نطق الكتاب بكذا : أي بين ، وقيل إنهم يقرؤونه فيذكرون ما عملوا ، فكأنه ينطق عليهم بالحق الذي لا زيادة فيه ولا نقصان ، ومحل ينطق النصب على الحال ، أو الرفع على أنه خبر آخر لاسم الإشارة ، وجملة ( إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون ) تعليل للنطق بالحق أي نأمر الملائكة بنسخ أعمالكم : أي بكتبها وتثبيتها عليكم ، قال الواحدي : وأكثر المفسرين على أن هذا الاستنساخ من اللوح المحفوظ ، فإن الملائكة تكتب منه كل عام ما يكون من أعمال بني آدم فيجدون ذلك موافقا لما يعملونه قالوا : لأن الاستنساخ لا يكون إلا من أصل . وقيل المعنى : نأمر الملائكة بنسخ ما كنتم تعملون . وقيل إن الملائكة تكتب كل يوم ما يعمله العبد ، فإذا رجعوا إلى مكانهم نسخوا منه الحسنات والسيئات وتركوا المباحات . وقيل إن الملائكة إذا رفعت أعمال العباد إلى الله سبحانه أمر عز وجل أن يثبت عنده منها ما فيه ثواب وعقاب ، ويسقط منها مالا ثواب فيه ولا عقاب ( فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيدخلهم ربهم في رحمته ) أي الجنة ، وهذا تفصيل لحال الفريقين ، فالمؤمنون يدخلهم الله برحمته الجنة ( ذلك ) أي الإدخال في رحمته ( هو الفوز المبين ) أي الظاهر الواضح ( وأما الذين كفروا أفلم تكن آياتي تتلى عليكم ) أي فيقال لهم ذلك ، وهو استفهام توبيخ ، لأن الرسل قد أتتهم وتلت عليهم آيات الله ، فكذبوها ولم يعملوا بها ( فاستكبرتم وكنتم قوما مجرمين ) أي تكبرتم عن قبولها وعن الإيمان بها ، وكنتم من أهل الإجرام ، وهي الآثام ، والاجترام الاكتساب ، يقال فلان جريمة أهله : إذا كان كاسبهم ، فالمجرم من كسب الآثام بفعل المعاصي ( وإذا قيل إن وعد الله حق ) أي وعده بالبعث والحساب أو بجميع ما وعد به من الأمور المستقبلة واقع لا محالة ( والساعة ) أي القيامة ( لا ريب فيها ) أي في وقوعها . قرأ الجمهور " والساعة " بالرفع على الابتداء ، أو العطف على موضع اسم إن ، وقرأ حمزة بالنصب عطفا على اسم إن ( قلتم ما ندري ما الساعة ) أي أي شئ هي ؟ ( إن نظن إلا ظنا ) أي نحدس حدسا ونتوهم توهما . قال المبرد : تقديره : إن نحن إلا نظن ظنا ، وقيل التقدير : إن نظن إلا أنكم تظنون ظنا ، وقيل إن نظن مضمن معنى نعتقد : أي ما نعتقد إلا ظنا لا علما ، وقيل إن ظنا له صفة مقدرة : أي إلا ظنا بينا ، وقيل إن الظن يكون بمعنى العلم والشك ، فكأنهم قالوا : ما لنا اعتقاد إلا الشك ( وما نحن بمستيقنين ) أي لم يكن لنا يقين بذلك ، ولم يكن معنا إلا مجرد الظن أن الساعة آتية ( وبدا لهم سيئات ما عملوا ) أي ظهر لهم سيئات أعمالهم على الصورة التي هي عليها ( وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون ) أي أحاط بهم ونزل عليهم جزاء أعمالهم بدخولهم النار ( وقيل اليوم ننساكم كما نسيتم لقاء يومكم هذا ) أي نترككم في النار كما تركتم العمل لهذا اليوم ، وأضاف اللقاء إلى اليوم توسعا ، لأنه أضاف إلى الشئ ما هو واقع فيه ( ومأواكم النار ) أي مسكنكم ومستقركم الذين تأوون إليه ( وما لكم من ناصرين ) ينصرونكم فيمنعون عنكم العذاب ( ذلكم بأنكم اتخذتم آيات الله هزوا ) أي ذلكم العذاب بسبب أنكم اتخذتم القرآن هزوا ولعبا ( وغرتكم الحياة الدنيا ) أي خدعتكم بزخارفها وأباطيلها ، فظننتم أنه لا دار غيرها ولا بعث ولا نشور ( فاليوم لا يخرجون منها ) أي من النار . قرأ الجمهور " يخرجون " بضم الياء وفتح الراء مبنيا للمفعول وقرأ حمزة والكسائي بفتح الياء وضم الراء مبنيا للفاعل ، والالتفات من الخطاب إلى الغيبة لتحقيرهم ( ولا هم يستعتبون ) أي لا يسترضون ويطلب منهم الرجوع إلى طاعة الله ، لأنه يوم لا تقبل فيه توبة ولا تنفع فيه معذرة