الشوكاني

80

فتح القدير

من جهة أنه يزيد بها وينقص ويمتد ويتقلص ، وقوله ( ثم قبضناه ) معطوف أيضا على مد داخل في حكمه . والمعنى : ثم قبضنا ذلك الظل الممدود ومحوناه عند إيقاع شعاع الشمس موقعه بالتدريج حتى انتهى الإظلال إلى العدم والاضمحلال . وقيل المراد في الآية قبضه عند قيام الساعة بقبض أسبابه ، وهي الأجرام النيرة ، والأول أولى . والمعنى : أن الظل يبقى في هذا الجو من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس ، فإذا طلعت الشمس صار الظل مقبوضا وخلفه في هذا الجو شعاع الشمس ، فأشرقت على الأرض وعلى الأشياء إلى وقت غروبها ، فإذا غربت فليس هنالك ظل ، إنما فيه بقية نور النهار ، وقال قوم : قبضه بغروب الشمس ، لأنها إذا لم تغرب فالظل فيه بقية ، وإنما يتم زواله بمجيء الليل ودخول الظلمة عليه . وقيل المعنى : ثم قبضنا ضياء الشمس بالفيء ( قبضا يسيرا ) ومعنى إلينا : أن مرجعه إليه سبحانه كما أن حدوثه منه قبضا يسيرا : أي على تدريج قليلا قليلا بقدر ارتفاع الشمس ، وقيل يسيرا سريعا ، وقيل المعنى يسيرا علينا : أي يسيرا قبضه علينا ليس بعسير ( وهو الذي جعل لكم الليل لباسا ) شبه سبحانه ما يستر من ظلام الليل باللباس الساتر . قال ابن جرير : وصف الليل باللباس تشبيها من حيث أنه يستر الأشياء ويغشاها ، واللام متعلقة بجعل ( والنوم سباتا ) أي وجعل النوم سباتا : أي راحة لكم لأنكم تنقطعون عليه عن الاشتغال ، وأصل السبات التمدد : يقال سبتت المرأة شعرها : أي نقضته وأرسلته ، ورجل مسبوت : أي ممدود الخلقة . وقيل للنوم ثبات ، لأنه بالتمدد يكون ، وفي التمدد معنى الراحة . وقيل السبت القطع ، فالنوم انقطاع عن الاشتغال ، ومنه سبت اليهود لانقطاعهم عن الاشتغال . قال الزجاج : السبات النوم ، وهو أن ينقطع عن الحركة والروح في بدنه : أي جعلنا نومكم راحة لكم . وقال الخليل : السبات نوم ثقيل : أي جعلنا نومكم ثقيلا ليكمل الإجمام والراحة ( وجعل النهار نشورا ) أي زمان بعث من ذلك السبات ، شبه اليقظة بالحياة كما شبه النوم بالسبات الشبيه بالممات . وقال في الكشاف : إن السبات الموت ، واستدل على ذلك بكون النشور في مقابلته ( وهو الذي أرسل الرياح نشرا بين يدي رحمته ) قرئ " الريح " وقرئ " بشرا " بالباء الموحدة وبالنون ، وقد تقدم تفسير هذه الآية مستوفى في الأعراف ( وأنزلنا من السماء ماء طهورا ) أي يتطهر به كما يقال وضوء للماء الذي يتوضأ به . قال الأزهري : الطهور في اللغة الطاهر المطهر ، والطهور ما يتطهر به . قال ابن الأنباري : الطهور بفتح الطاء الاسم ، وكذلك الوضوء والوقود ، وبالضم المصدر ، هذا هو المعروف في اللغة ، وقد ذهب الجمهور إلى أن الطهور هو الطاهر المطهر ، ويؤيد ذلك كونه بناء مبالغة . وروي عن أبي حنيفة أنه قال : الطهور هو الطاهر ، واستدل لذلك بقوله تعالى - وسقاهم ربهم شرابا طهورا - يعنى طاهرا ، ومنه قول الشاعر : خليلي هل في نظرة بعد توبة * أداوي أبي بها قلبي علي فجور إلى رجح الأكفال غيد من الظبي * عذاب الثنايا ريقهن طهور فوصف الريق بأنه طهور وليس بمطهر ، ورجح القول الأول ثعلب ، وهو راجح لما تقدم من حكاية الأزهري لذلك عن أهل اللغة . وأما وصف الشاعر للريق بأنه طهور ، فهو على طريق المبالغة ، وعلى كل حال فقد ورد الشرع بأن الماء طاهر في نفسه مطهر لغيره ، قال الله تعالى - وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به - وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم " خلق الماء طهورا " ثم ذكر سبحانه علة الإنزال فقال ( لنحيي به ) أي بالماء المنزل من السماء ( بلدة ميتا ) وصف البلدة بميتا ، وهي صفة للمذكر لأنها بمعنى البلد . وقال الزجاج : أراد بالبلد المكان ، والمراد بالإحياء هنا إخراج النبات من المكان الذي لانبات فيه ( ونسقيه مما خلقنا أنعاما وأناسي كثيرا ) أي نسقي ذلك الماء ، قرأ أبو عمرو وعاصم في رواية عنهما وأبو حيان وابن أبي عبلة بفتح النون من " نسقيه " وقرأ الباقون بضمها ، و " من " في مما خلقنا للابتداء ، وهي متعلقة بنسقيه ، ويجوز أن تتعلق بمحذوف على أنه حال ،