الشوكاني
8
فتح القدير
ما هو مجرد رأي بحت . قرأ الجمهور " والمحصنات " بفتح الصاد ، وقرأ يحيى بن وثاب بكسرها . وذهب الجمهور من العلماء أنه لا حد على من قذف كافرا أو كافرة وقال الزهري وسعيد بن المسيب وابن أبي ليلى : إنه يجب عليه الحد . وذهب الجمهور أيضا أن العبد يجلد أربعين جلدة . وقال ابن مسعود وعمر بن عبد العزيز وقبيصة : يجلد ثمانين . قال القرطبي : وأجمع العلماء على أن الحر لا يجلد للعبد إذا افترى عليه لتباين مرتبتهما ، وقد ثبت في الصحيح عنه صلى الله عليه وآله وسلم أن من قذف مملوكه بالزنا أقيم عليه الحد يوم القيامة إلا أن يكون كما قال . ثم ذكر سبحانه شرطا لإقامة الحد على من قذف المحصنات فقال ( ثم لم يأتوا بأربعة شهداء ) أي يشهدون عليهن بوقوع الزنا منهن ، ولفظ ثم يدل على أنه يجوز أن تكون شهادة الشهود في غير مجلس القذف ، وبه قال الجمهور ، وخالف في ذلك مالك . وظاهر الآية أنه يجوز أن يكون الشهود مجتمعين ومفترقين ، وخالف في ذلك الحسن ومالك ، وإذا لم تكمل الشهود أربعة كانوا قذفة يحدون حد القذف . وقال الحسن والشعبي : إنه لا حد على الشهود ولا على المشهود عليه ، وبه قال أحمد وأبو حنيفة ومحمد بن الحسن . ويرد ذلك ما وقع في خلافة عمر رضي الله عنه من جلده للثلاثة الذين شهدوا على المغيرة بالزنا ، ولم يخالف في ذلك أحد من الصحابة رضي الله عنه . قرأ الجمهور " بأربعة شهداء " بإضافة أربعة إلى شهداء ، وقرأ عبد الله بن مسلم بن يسار وأبو زرعة بن عمرو بتنوين أربعة . وقد اختلف في إعراب شهداء على هذه القراءة ، فقيل هو تمييز . ورد بأن المميز من ثلاثة إلى عشرة يضاف إليه العدد كما هو مقرر في علم النحو . وقيل إنه في محل نصب على الحال . ورد بأن الحال لا يجيء من النكرة التي لم تخصص . وقيل إن شهداء في محل جر نعتا لأربعة ، ولما كان فيه ألف التأنيث لم ينصرف . وقال النحاس : يجوز أن يكون شهداء في موضع نصب على المفعولية : أي ثم لم يحضروا أربعة شهداء ، وقد قوى ابن جني هذه القراءة ، ويدفع ذلك قول سيبويه إن تنوين العدد وترك إضافته إنما يجوز في الشعر . ثم بين سبحانه ما يجب على القاذف فقال ( فاجلدوهم ثمانين جلدة ) الجلد الضرب كما تقدم ، والمجالدة المضاربة في الجلود أو بالجلود ، ثم أستعير للضرب بالعصى والسيف وغيرهما ، ومنه قول قيس بن الخطيم : أجالدهم يوم الحديقة حاسرا * كأن يدي بالسيف مخراق لاعب وقد تقدم بيان الجلد قريبا ، وانتصاب ثمانين كانتصاب المصادر ، وجلدة منتصبة على التمييز ، وجملة ( ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا ) معطوفة على اجلدوا : أي فاجمعوا لهم بين الأمرين : الجلد ، وترك قبول الشهادة ، لأنهم قد صاروا بالقذف غير عدول بل فسقة كما حكم الله به عليهم في آخر هذه الآية . واللام في لهم متعلقة بمحذوف هو حال من شهادة ولو تأخرت عليها لكانت صفة لها ، ومعنى " أبدا " : ما داموا في الحياة . ثم بين سبحانه حكمهم بعد صدور القذف منهم وإصرارهم عليه وعدم رجوعهم إلى التوبة فقال ( وأولئك هم الفاسقون ) وهذه جملة مستأنفة مقررة لما قبلها ، والفسق هو الخروج عن الطاعة ومجاوزة الحد بالمعصية ، وجوز أبو البقاء أن تكون هذه الجملة في محل نصب على الحال . ثم بين سبحانه أن هذا التأييد لعدم قبول شهادتهم هو مع عدم التوبة فقال ( إلا الذين تابوا ) وهذه الجملة في محل نصب على الاستثناء ، لأنه من موجب ، وقيل يجوز أن يكون في موضع خفض على البدل ، ومعنى التوبة قد تقدم تحقيقه ، ومعنى ( من بعد ذلك ) من بعد اقترافهم الذنب القذف ، ومعنى ( وأصلحوا ) إصلاح أعمالهم التي من جملتها ذنب القذف ومداركة ذلك بالتوبة والانقياد للحد .