الشوكاني
77
فتح القدير
إلى ما تقدم ذكره من الأمم . وقد يذكر الذاكر أشياء مختلفة ثم يشير إليها بذلك ( وكلا ضربنا له الأمثال ) قال الزجاج : أي وأنذرنا كلا ضربنا لهم الأمثال وبينا لهم الحجة ، ولم نضرب لهم الأمثال الباطلة كما يفعله هؤلاء الكفرة ، فجعله منصوبا بفعل مضمر يفسره ما بعده ، لأن حذرنا وذكرنا وأنذرنا في معنى ضربنا ، ويجوز أن يكون معطوفا على ما قبله ، والتنوين عوض عن المضاف إليه المحذوف ، وهو الأمم : أي كل الأمم ضربنا لهم الأمثال ( و ) أما ( كلا ) الأخرى : فهي منصوبة بالفعل الذي بعدها ، والتتبير : الإهلاك بالعذاب . قال الزجاج : كل شئ كسرته وفتته فقد تبرته . وقال المؤرج والأخفش : معنى ( تبرنا تتبيرا ) أدمرنا تدميرا أبدلت التاء والباء من الدال والميم ( ولقد أتوا على القرية التي أمطرت مطر السوء ) هذه جملة مستأنفة مبينة بمشاهدتهم لآثار هلاك بعض الأمم . والمعنى : ولقد أتوا : أي مشركوا مكة على قرية قوم لوط التي أمطرت مطر السوء ، وهو الحجارة : أي هلكت بالحجارة التي أمطروا بها ، وانتصاب مطر على المصدرية ، أو على أنه مفعول ثان : إذ المعنى أعطيتها وأوليتها مطر السوء ، أو على أنه نعت مصدر محذوف : أي إمطارا مثل مطر السوء ، وقرأ أبو السمأل " السوء " بضم السين ، وقد تقدم تفسير السوء في براءة ( أفلم يكونوا يرونها ) الاستفهام للتقريع والتوبيخ ، أي يرون القرية المذكورة عند سفرهم إلى الشام للتجارة ، فإنهم يمرون بها ، والفاء للعطف على مقدر : أي لم يكونوا ينظرون إليها فلم يكونوا يرونها ( بل كانوا لا يرجون نشورا ) أضرب سبحانه عما سبق من عدم رؤيتهم لتلك الآثار إلى عدم رجاء البعث منهم المستلزم لعدم رجائهم للجزاء ، ويجوز أن يكون معنى يرجون يخافون ( وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوءا ) أي ما يتخذونك إلا هزوءا : أي مهزوءا بك ، قصر معاملتهم له على اتخاذهم إياه هزوا ، فجواب " إذا " هو " إن يتخذونك " وقيل الجواب محذوف ، وهو قالوا ( أهذا الذي ) وعلى هذا فتكون جملة " إن يتخذونك إلا هزوءا " معترضة ، والأول أولى . وتكون جملة ( أهذا الذي بعث الله رسولا ) في محل نصب على الحال بتقدير القول : أي قائلين أهذا الخ ، وفي اسم الإشارة دلالة على استحقارهم له وتهكمهم به ، والعائد محذوف : أي بعثه الله وانتصاب رسولا على الحال : أي مرسلا ، واسم الإشارة مبتدأ ، وخبره الموصول ، وصلته ( إن كاد ليضلنا عن آلهتنا ) أي قالوا : إن كاد هذا الرسول ليضلنا : ليصرفنا عن آلهتنا فنترك عبادتها ، وإن هنا هي المخففة ، وضمير الشأن محذوف : أي إنه كاد أن يصرفنا عنها ( لولا أن صبرنا عليها ) أي حبسنا أنفسنا على عبادتها ، ثم إنه سبحانه أجاب عليهم فقال ( وسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلا ) أي حين يرون عذاب يوم القيامة الذي يستحقونه ويستوجبونه بسبب كفرهم من هو أضل سبيلا : أي أبعد طريقا عن الحق والهدى ، أهم أم المؤمنون ؟ ثم بين لهم سبحانه أنه لا تمسك فيما ذهبوا إليه سوى التقليد واتباع الهوى ، فقال معجبا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ( أرأيت من اتخذ إلهه هواه ) قدم المفعول الثاني للعناية كما تقول علمت منطلقا زيدا : أي أطاع هواه طاعة كطاعة الإله : أي انظر إليه يا محمد وتعجب منه . قال الحسن : معنى الآية لا يهوى شيئا إلا اتبعه ( أفأنت تكون عليه وكيلا ) الاستفهام للإنكار والاستبعاد : أي أفأنت تكون عليه حفيظا وكفيلا حتى ترده إلى الإيمان وتخرجه من الكفر ، ولست تقدر على ذلك ولا تطيقه ، فليست الهداية والضلالة موكولتين إلى مشيئتك ، وإنما عليك البلاغ . وقد قيل إن هذه الآية منسوخة بآية القتال . ثم انتقل سبحانه من الإنكار الأول إلى إنكار آخر فقال ( أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون ) أي أتحسب أن أكثرهم يسمعون ما تتلو عليهم من آيات القرآن ومن المواعظ ، أو يعقلون معاني ذلك ويفهمونه حتى تعتني بشأنهم وتطمع في إيمانهم ، وليسوا كذلك ، بل هم بمنزلة من لا يسمع ولا يعقل . ثم بين سبحانه حالهم وقطع مادة الطمع فيهم فقال ( إن هم