الشوكاني
73
فتح القدير
ومنه خذلان إبليس للمشركين حيث يوالونه ، ثم يتركهم عند استغاثتهم به ، وهذه الجملة مقررة لمضمون ما قبلها ، ويحتمل أن تكون من كلام الله تعالى ، أو من تمام كلام الظالم ، وأنه سمى خليله شيطانا بعد أن جعله مضلا ، أو أراد بالشيطان إبليس لكونه الذي حمله على مخاللة المضلين ( وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا ) معطوف على - وقال الذين لا يرجون لقاءنا - والمعنى : إن قومي اتخذوا هذا القرآن الذي جئت به إليهم وأمرتني بإبلاغه وأرسلتني به مهجورا متروكا لم يؤمنوا به ، ولا قبلوه بوجه من الوجوه ، وقيل هو من هجر إذا هذى . والمعنى : أنهم اتخذوه هجرا وهذيانا . وقيل معنى مهجورا مهجورا فيه ، ثم حذف الجار ، وهجرهم فيه قولهم : إنه سحر وشعر وأساطير الأولين ، وهذا القول يقوله الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يوم القيامة ، وقيل إنه حكاية لقوله صلى الله عليه وآله وسلم في الدنيا ( وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين ) هذا تسلية من الله سبحانه لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم ، والمعنى : أن الله سبحانه جعل لكل نبي من الأنبياء الداعين إلى الله عدوا يعاديه من مجرمي قومه ، فلا تجزع يا محمد ، فإن هذا دأب الأنبياء قبلك واصبر كما صبروا ( وكفى بربك هاديا ونصيرا ) قال المفسرون : الباء زائدة : أي كفى ربك ، وانتصاب نصيرا وهاديا على الحال ، أو التمييز : أي يهدي عباده إلى مصالح الدين والدنيا وينصرهم على الأعداء ( وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة ) هذا من جملة اقتراحاتهم وتعنتاتهم : أي هلا نزل الله علينا هذا القرآن دفعة واحدة غير منجم . واختلف في قائل هذه المقالة ، فقيل كفار قريش ، وقيل اليهود ، قالوا : هلا أتيتنا بالقرآن جملة واحدة كما أنزلت التوراة والإنجيل والزبور ؟ وهذا زعم باطل ودعوى داحضة فإن هذه الكتب نزلت مفرقة كما نزل القرآن ولكنهم معاندون ، أو جاهلون لا يدرون بكيفية نزول كتب الله سبحانه على أنبيائه ، ثم رد الله سبحانه عليهم فقال ( كذلك لنثبت به فؤادك ) أي نزلنا القرآن كذلك مفرقا ، والكاف في محل نصب على أنها نعت مصدر محذوف ، وذلك إشارة إلى ما يفهم من كلامهم : أي مثل ذلك التنزيل المفرق الذي قدحوا فيه ، واقترحوا خلافه نزلناه لنقوي بهذا التنزيل على هذه الصفة فؤادك ، فإن إنزاله مفرقا منجما على حسب الحوادث أقرب إلى حفظك له وفهمك لمعانيه ، وذلك من أعظم أسباب التثبيت ، واللام متعلقة بالفعل المحذوف الذي قدرناه . وقال أبو حاتم : إن الأخفش قال : إنها جواب قسم محذوف . قال : وهذا قول مرجوح . وقرأ عبد الله " ليثبت " بالتحتية : أي الله سبحانه ، وقيل إن هذه الكلمة : أعني كذلك ، هي من تمام كلام المشركين ، والمعنى كذلك : أي كالتوراة والإنجيل والزبور ، فيوقف على قوله كذلك ، ثم يبتدأ بقوله ( لنثبت به فؤادك ) على معنى أنزلناه عليك متفرقا لهذا الغرض . قال ابن الأنباري : وهذا أجود وأحسن . قال النحاس : وكان ذلك : أي إنزال القرآن منجما من أعلام النبوة لأنهم لا يسألونه فيه عن شئ إلا أجيبوا عنه ، وهذا لا يكون إلا من نبي ، فكان ذلك تثبيتا لفؤاده وأفئدتهم ( ورتلناه ترتيلا ) هذا معطوف على الفعل المقدر : أي كذلك نزلناه ورتلناه ترتيلا ، ومعنى الترتيل : أن يكون آية بعد آية ، قال النخعي والحسن وقتادة . وقيل : إن المعني بيناه تبيينا ، حكى هذا عن ابن عباس . وقال مجاهد : بعضه في إثر بعض . وقال السدي : فصلناه تفصيلا . قال ابن الأعرابي : ما أعلم الترتيل إلا التحقيق والتبيين . ثم ذكر سبحانه أنهم محجوجون في كل أوان مدفوع قولهم بكل وجه وعلى كل حالة فقال ( ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا ) أي لا يأتيك يا محمد المشركون بمثل من أمثالهم التي من جملتها اقتراحاتهم المتعنتة إلا جئناك في مقابلة مثلهم بالجواب الحق الثابت الذي يبطل ما جاءوا به من المثل ويدمغه . فالمراد بالمثل هنا : السؤال والاقتراح وبالحق جوابه الذي يقطع ذريعته ويبطل شبهته ويحسم مادته . ومعنى ( أحسن تفسيرا ) جئناك