الشوكاني

67

فتح القدير

قوله ( ويوم نحشرهم ) الظرف منصوب بفعل مضمر : أي واذكر ، وتعليق التذكير باليوم مع أن المقصود ذكر ما فيه للمبالغة والتأكيد كما مر مرارا . قرأ ابن محيصن وحميد وابن كثير وحفص ويعقوب وأبو عمر في رواية الدوري " يحشرهم " بالياء التحتية ، واختارها أبو عبيد وأبو حاتم لقوله في أول الكلام - كان على ربك - والباقون بالنون على التعظيم ما عدا الأعرج فإنه قرأ " نحشرهم " بكسر الشين في جميع القرآن . قال ابن عطية : هي قليلة في الاستعمال قوية في القياس ، لأن يفعل بكسر العين في المتعدي أقيس من يفعل بضمها ، ورده أبو حبان باستواء المضموم والمكسور إلا أن يشتهر أحدهما اتبع ( وما يعبدون من دون الله ) معطوف على مفعول نحشر ، وغلب غير العقلاء من الأصنام والأوثان ونحوها على العقلاء من الملائكة والجن والمسيح تنبيها على أنها جميعا مشتركة في كونها غير صالحة لكونها آلهة ، أو لأن من يعبد من لا يعقل أكثر ممن يعبد من يعقل منها ، فغلبت اعتبارا بكثرة من يعبدها وقال مجاهد وابن جريج : المراد الملائكة والإنس والجن والمسيح وعزير بدليل خطابهم وجوابهم فيما بعد . وقال الضحاك وعكرمة والكلبي : المراد الأصنام خاصة ، وإنها وإن كانت لا تسمع ولا تتكلم فإن الله سبحانه يجعلها يوم القيامة سامعة ناطقة ، ( فيقول أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل ) قرأ ابن عامر وأبو حيوة وابن كثير وحفص " فنقول " بالنون ، وقرأ الباقون بالياء التحتية ، واختارها أبو عبيد كما اختار القراءة بها في نحشرهم ، وكذا أبو حاتم . والاستفهام في قوله : أأنتم أضللتم للتوبيخ والتقريع . والمعنى : أكان ضلالهم بسببكم وبدعوتكم فلا لهم إلى عبادتكم ، أم هم ضلوا عن سبيل الحق بأنفسهم لعدم التفكر فيما يستدل به على الحق والتدبر فيما يتوصل به إلى الصواب وجملة ( قالوا سبحانك ) مستأنفة جواب سؤال مقدر ، ومعنى سبحانك : التعجب مما قيل لهم لكونهم ملائكة أو أنبياء معصومين ، أو جمادات لا تعقل : أي تنزيها لك ( ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء ) أي ما صح ولا استقام لنا أن نتخذ من دونك أولياء فنعبدهم ، فكيف ندعو عبادك إلى عبادتنا نحن مع كوننا لا نعبد غيرك ، والولي يطلق على التابع كما يطلق على المتبوع ، هذا معنى الآية على قراءة الجمهور نتخذ مبنيا للفاعل . وقرأ الحسن وأبو جعفر " نتخذ " مبنيا للمفعول : أي ما كان ينبغي لنا أن يتخذنا المشركون أولياء من دونك . قال أبو عمرو بن العلاء وعيسى بن عمر : لا تجوز هذه القراءة ولو كانت صحيحة لحذفت من الثانية . قال أبو عبيدة : لا تجوز هذه القرادة لأن الله سبحانه ذكر " من " مرتين ، ولو كان كما قرأ لقال : أن نتخذ من دونك أولياء . وقيل إن " من " الثانية زائدة . ثم حكى عنهم سبحانه بأنهم بعد هذا الجواب ذكروا سبب ترك المشركين للإيمان فقال ( ولكن متعتهم وآباءهم حتى نسوا الذكر ) وفي هذا ما يدل على أنهم هم الذين ضلوا السبيل ، ولم يضلهم غيرهم ، والمعنى : ما أضللناهم ، ولكنك يا رب متعتهم ومتعت آباءهم بالنعم ووسعت عليهم الرزق وأطلت لهم العمر حتى غفلوا عن ذكرك ونسوا موعظتك والتدبر لكتابك والنظر في عجائب صنعك وغرائب مخلوقاتك . وقرأ أبو عيسى الأسود القارئ " ينبغي " مبنيا للمفعول . قال ابن خالويه : زعم سيبويه أنها لغة . وقيل المراد بنسيان الذكر هنا هو ترك الشكر ( وكانوا قوما بورا ) أي وكان هؤلاء الذين أشركوا بك وعبدوا غيرك في قضائك الأزلي قوما بورا : أي هلكى ، مأخوذ من البوار وهو الهلاك : يقال : رجل بائر وقوم بور ، يستوي فيه الواحد والجماعة لأنه مصدر يطلق على القليل والكثير ويجوز أن يكون جمع بائر . وقيل البوار الفساد . يقال بارت بضاعته : أي فسدت ، وأمر بائر : أي فاسد وهي لغة الأزد . وقيل المعنى : لا خير فيهم ، مأخوذ من بوار الأرض وهو تعطيلها من الزرع فلا يكون فيها خير ، وقيل إن البوار الكساد ، ومنه بارت السلعة إذا كسدت