الشوكاني

64

فتح القدير

فيجوز فيما عطف عليه أن يجزم ويرفع . وقرئ بالنصب . وقرئ بإدغام لام لك في لام يجعل لاجتماع المثلين . وقرئ بترك الإدغام لان الكلمتين منفصلتان ، والقصر البيت من الحجارة ، لأن الساكن به مقصور عن أن يوصل إليه ، وقيل هو بيت الطين وبيوت الصوف والشعر . ثم أضرب سبحانه عن توبيخهم بما حكاه عنهم من الكلام الذي لا يصدر عن العقلاء فقال ( بل كذبوا بالساعة ) أي بل أتوا بأعجب من ذلك كله . وهو تكذيبهم بالساعة ، فلهذا لا ينتفعون بالدلائل ولا يتأملون فيها . ثم ذكر سبحانه ما أعده لمن كذب بالساعة فقال ( واعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا ) أي نارا مشتعلة متسعرة ، والجملة في محل نصب على الحال : أي بل كذبوا بالساعة ، والحال أنا اعتدنا . قال أبو مسلم : اعتدنا : أي جعلناه عتيدا ومعدا لهم ( إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا ) هذه الجملة الشرطية في محل نصب صفة لسعيرا لأنه مؤنث بمعنى النار ، قيل معنى إذا رأتهم : إذا ظهرت لهم فكانت بمرأى الناظر في البعد ، وقيل المعنى : إذا رأتهم خزنتها ، وقيل إن الرؤية منها حقيقية وكذلك التغيظ والزفير ، ولا مانع من أن يجعلها الله سبحانه مدركة هذا الإدراك . ومعنى ( من مكان بعيد ) أنها رأتهم وهي بعيدة عنهم ، قيل بينها وبينهم مسيرة خمسمائة عام . ومعنى التغيظ : أن لها صوتا يدل على التغيظ على الكفار أو لغليانها صوتا يشبه صوت المغتاظ . والزفير : هو الصوت الذي يسمع من الجوف . قال الزجاج : المراد سماع ما يدل على الغيظ وهو الصوت : أي سمعوا لها صوتا يشبه صوت المتغيظ . وقال قطرب : أراد علموا لها تغيظا وسمعوا لها زفيرا كما قال الشاعر : * متقلدا سيفا ورمحا * أي وحاملا رمحا ، وقيل المعنى : سمعوا فيها تغيظا وزفيرا للمعذبين كما قال - لهم فيها زفير وشهيق - وفي اللام متقاربان ، تقول : افعل هذا في الله ولله ( وإذا ألقوا منها مكانا ضيقا ) وصف المكان بالضيق للدلالة على زيادة الشدة وتناهي البلاء عليهم ، وانتصاب ( مقرنين ) على الحال : أي إذا ألقوا منها مكانا ضيقا حال كونهم مقرنين قد قرنت أيديهم إلى أعناقهم بالجوامع مصفدين بالحديد ، وقيل مكتفين ، وقيل قرنوا مع الشياطين : أي قرن كل واحد منهم إلى شيطانه ، وقد تقدم الكلام على مثل هذا في سورة إبراهيم ( دعوا هنالك ) أي في ذلك المكان الضيق ( ثبورا ) أي هلاكا . قال الزجاج : وانتصابه على المصدرية : أي ثبرنا ثبورا ، وقيل منتصب على أنه مفعول له ، والمعنى : أنهم يتمنون هنالك الهلاك وينادونه لما حل بهم من البلاء ، فأجيب عليهم بقوله ( لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا ) أي فيقال لهم هذه المقالة ، والقائل لهم هم الملائكة : أي اتركوا دعاء ثبور واحد ، فإن ما أنتم فيه من الهلاك أكبر من ذلك وأعظم ، كذا قال الزجاج ( وادعوا ثبور كثيرا ) والثبور مصدر يقع على القليل والكثير فلهذا لم يجمع ، ومثله ضربته ضربا كثيرا ، وقعد قعودا طويلا ، فالكثرة ها هنا هي بحسب كثرة الدعاء المتعلق به ، لا بحسب كثرته في نفسه ، فإنه شئ واحد . والمعنى : لا تدعو ا على أنفسكم بالثبور دعاء واحدا وادعوه أدعية كثيرة ، فإن ما أنتم فيه من العذاب أشد من ذلك لطول مدته وعدم تناهيه ، وقيل هذا تمثيل وتصوير لحالهم بحال من يقال له ذلك من غير أن يكون هناك قول ، وقيل إن المعنى إنكم وقعتم فيما ليس ثبوركم فيه واحدا بل هو ثبور كثير لأن العذاب أنواع ، والأولى أن المراد بهذا الجواب عليهم الدلالة على خلود عذابهم وإقناطهم عن حصول ما يتمنونه من الهلاك المنجي لهم مما هم فيه . ثم وبخهم الله سبحانه توبيخا بالغا على لسان رسوله فقال ( قل أذلك خير أم جنة الخلد التي وعد المتقون ) والإشارة بقوله ذلك إلى السعير المتصفة بتلك الصفات العظيمة : أي تلك السعير خير أم جنة الخلد ، وفي إضافة الجنة إلى الخلد إشعار بدوام نعيمها وعدم انقطاعه ، ومعنى ( التي وعد المتقون ) التي وعدها المتقون ، والمجيء بلفظ خير هنا مع أنه لا خير في النار أصلا ، لأن العرب قد تقول ذلك ، ومنه ما حكاه سيبويه عنهم أنهم يقولون : السعادة