الشوكاني

60

فتح القدير

التي أقرأني ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : كذلك أنزلت ، إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرؤا ما تيسر منه . تكلم سبحانه في هذه السورة على التوحيد لأنه أقدم وأهم ، ثم في النبوة لأنها الواسطة ، ثم في المعاد لأنه الخاتمة . وأصل تبارك مأخوذ من البركة ، وهي النماء والزيادة ، حسية كانت أو عقلية . قال الزجاج : تبارك تفاعل ، من البركة . قال : ومعنى البركة : الكثرة من كل ذي خير ، وقال الفراء : إن تبارك وتقدس في العربية واحد ، ومعناهما العظمة . وقيل المعنى : تبارك عطاؤه : أي زاد كثر ، وقيل المعنى : دام وثبت . قال النحاس : وهذا أولاها في اللغة ، والاشتقاق من برك الشئ إذا ثبت ، ومنه برك الجمل : أي دام وثبت . واعترض ما قاله الفراء بأن التقديس إنما هو من الطهارة ، وليس من ذا في شئ . قال العلماء : هذه اللفظة لا تستعمل إلا لله سبحانه ولا تستعمل إلا بلفظ الماضي ، والفرقان القرآن ، وسمي فرقانا لأنه يفرق بين الحق والباطل بأحكامه ، أو بين المحق والمبطل ، والمراد بعبده نبينا صلى الله عليه وآله وسلم . ثم علل التنزيل ( ليكون للعالمين نذيرا ) فإن النذارة هي الغرض المقصود من الإنزال ، والمراد محمد صلى الله عليه وآله وسلم أو الفرقان ، والمراد بالعالمين هنا الإنس والجن ، لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مرسل إليهما ، ولم يكن غيره من الأنبياء مرسلا إلى الثقلين ، والنذير : المنذر : أي ليكون محمد منذرا ، أو ليكون إنزال القرآن منذرا ، ويجوز أن يكون النذير هنا بمعنى المصدر للمبالغة : أي ليكون إنزاله إنذارا ، أو ليكون محمد إنذارا ، وجعل الضمير للنبي صلى الله عليه وآله وسلم أولى ، لأن صدور الإنذار منه حقيقة ومن القرآن مجاز ، والحمل على الحقيقة أولى ولكونه أقرب مذكور . وقيل إن رجوع الضمير إلى الفرقان أولى لقوله تعالى - إن هذا القرآن يهدى للتي هي أقوم - ثم إنه سبحانه وصف نفسه بصفات أربع : الأولى ( له ملك السماوات والأرض ) دون غيره فهو المتصرف فيهما ، ويحتمل أن يكون الموصول الآخر بدلا أو بيانا للموصول الأول ، والوصف أولى ، وفيه تنبيه على افتقار الكل إليه في الوجود وتوابعه من البقاء وغيره . والصفة الثانية ( ولم يتخذ ولدا ) وفيه رد على النصارى واليهود . والصفة الثالثة ( ولم يكن له شريك في الملك )