الشوكاني

58

فتح القدير

لبعض الأمور التي تهمهم فإنه يأذن لمن شاء منهم ويمنع من شاء على حسب ما تقتضيه المصلحة التي يراها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ثم أرشده الله سبحانه إلى الاستغفار لهم ، وفيه إشارة إلى أن الاستئذان إن كان لعذر مسوغ ، فلا يخلو عن شائبة تأثير أمر الدنيا على الآخرة ( إن الله غفور رحيم ) أي كثير المغفرة والرحمة بالغ فيهما إلى الغاية التي ليس وراءها غاية ( لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا ) وهذه الجملة مستأنفة مقررة لما قبلها : أي لا تجعلوا دعوته إياكم كالدعاء من بعضكم لبعض في التساهل في بعض الأحوال عن الإجابة أو الرجوع بغير استئذان أو رفع الصوت . وقال سعيد بن جبير ومجاهد : المعنى قولوا يا رسول الله في رفق ولين ، ولا تقولوا يا محمد بتجهم . وقال قتادة : أمرهم أن يشرفوه ويفخموه . وقيل المعنى : لا تتعرضوا لدعاء الرسول عليكم بإسخاطه ، فإن دعوته موجبة ( قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا ) التسلل : الخروج في خفية ، يقال تسلل فلان من بين أصحابه : إذا خرج من بينهم ، واللواذ من الملاوذة ، وهو أن تستتر بشيء مخافة من يراك ، وأصله أن يلوذ هذا بذاك وذاك بهذا ، واللوذ ما يطيف بالجبل ، وقيل اللواذ الزوغان من شئ إلى شئ في خفية . وانتصاب لواذا على الحال : أي متلاوذين يلوذ بعضهم ببعض وينضم إليه ، وقيل هو منتصب على المصدرية لفعل مضمر هو الحال في الحقيقة : أي يلوذون لواذا . وقرأ زيد بن قطيب " لواذا " بفتح اللام . وفي الآية بيان ما كان يقع من المنافقين ، فإنهم كانوا يتسللون عن صلاة الجمعة متلاوذين ينضم بعضهم إلى بعض استتارا من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وقد كان يوم الجمعة أثقل يوم على المنافقين لما يرون من الاجتماع للصلاة والخطبة فكانوا يفرون على الحضور ويتسللون في خفية ويستتر بعضهم ببعض وينضم إليه . وقيل اللواذ : الفرار من الجهاد وبه قال الحسن ، ومنه قول حسان : وقريش تجول منكم لواذا * لم تحافظ وجف منها الحلوم ( فليحذر الذين يخالفون عن أمره ) الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها : أي يخالفون أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بترك العمل بمقتضاه وعدي فعل المخالفة بعن مع كونه متعديا بنفسه لتضمينه معنى الإعراض أو الصد ، وقيل الضمير لله سبحانه لأنه الآمر بالحقيقة ، و ( أن تصيبهم فتنة ) مفعول يحذر ، وفاعله الموصول . والمعنى : فليحذر المخالفون عن أمر الله أو أمر رسوله أو أمرهما جميعا إصابة فتنة لهم ( أو يصيبهم عذاب أليم ) أي في الآخرة ، كما أن الفتنة التي حذرهم من إصابتها لهم هي في الدنيا ، وكلمة أو لمنع الخلو . قال القرطبي : احتج الفقهاء على أن الأمر للوجوب بهذه الآية ، ووجه ذلك أن الله سبحانه قد حذر من مخالفة أمره ، وتوعد بالعقاب عليها بقوله : ( أن تصيبهم فتنة ) الآية ، فيجب امتثال أمره وتحرم مخالفته ، والفتنة هنا غير مقيدة بنوع من أنواع الفتن ، وقيل هي القتل ، وقيل الزلازل ، وقيل تسلط سلطان جائر عليهم ، وقيل الطبع على قلوبهم . قال أبو عبيدة والأخفش : عن في هذا الموضع زائدة . وقال الخليل وسيبويه : ليست بزائدة ، بل هي بمعنى بعد ، كقوله - ففسق عن أمر ربه - أي بعد أمر ربه ، والأولى ما ذكرناه من التضمين ( ألا إن لله ما في السماوات والأرض ) من المخلوقات بأسرها ، فهي ملكه ( قد يعلم ما أنتم عليه ) أيها العباد من الأحوال التي أنتم عليها فيجازيكم بحسب ذلك ، ويعلم هاهنا بمعنى علم ( ويوم يرجعون إليه ) معطوف على ما أنتم عليه : أي يعلم ما أنتم عليه ويعلم يوم يرجعون إليه فيجازيكم فيه بما عملتم ، وتعليق علمه سبحانه بيوم يرجعون لا بنفس رجعهم لزيادة تحقيق علمه ، لأن العلم بوقت وقوع الشئ يستلزم العلم بوقوعه على أبلغ وجه ( فينبئهم بما عملوا ) أي يخبرهم بما عملوا من الأعمال التي من جملتها مخالفة الأمر ، والظاهر من السياق أن هذا الوعيد للمنافقين ( والله بكل شئ عليم ) لا يخفى عليه شئ من أعمالهم .