الشوكاني
56
فتح القدير
يأكلوا مع الأعمى يقولون إنه لا يبصر موضع الطعام ، وكانوا يتحرجون الأكل مع الأعرج يقولون الصحيح يسبقه إلى المكان ولا يستطيع إلى أن يزاحم ، ويتحرجون الأكل مع المريض يقولون لا يستطيع أن يأكل مثل الصحيح ، وكانوا يتحرجون أن يأكلوا في بيوت أقاربهم ، فنزلت ( ليس على الأعمى ) يعني في الأكل مع الأعمى . وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مقسم نحوه . وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن مجاهد قال : كان الرجل يذهب بالأعمى أو الأعرج أو المريض إلى بيت أبيه أو بيت أخيه أو بيت عمه أو بيت عمته أو بيت خاله أو بيت خالته ، فكان الزمني يتحرجون من ذلك يقولون إنما يذهبون بنا إلى بيوت غيرهم ، فنزلت هذه الآية رخصة لهم . وأخرج البزار وابن أبي حاتم وابن مردويه وابن النجار عن عائشة قالت : كان المسلمون يرغبون في النفير مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فيدفعون مفاتيحهم إلى أمنائهم ويقولون لهم قد أحللنا لكم أن تأكلوا مما احتجتم إليه ، فكانوا يقولون إنه لا يحل لنا أن نأكل إنهم أذنوا لنا من غير طيب نفس ، وإنما نحن زمني ، فأنزل الله - ولا على أنفسكم أن تأكلوا - إلى قوله أو ما ملكتم مفاتحه . وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عباس قال : لما نزلت - يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل - قال المسلمون : إن الله قد نهانا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل والطعام هو أفضل الأموال فلا يحل لأحد منا أن يأكل عند أحد فكف الناس عن ذلك ، فأنزل الله ( ليس على الأعمى حرج ) إلى قوله ( أو ما ملكتم مفاتحه ) وهو الرجل يوكل الرجل بضيعته ، والذي رخص الله أن يأكل من ذلك الطعام والتمر ويشرب اللبن ، وكانوا أيضا يتحرجون أن يأكل الرجل الطعام وحده حتى يكون معه غيره ، فرخص الله لهم فقال ( ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا ) . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الضحاك قال : كان أهل المدينة قبل أن يبعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يخالطهم في طعامهم أعمى ولا مريض ولا أعرج لا يستطيع المزاحمة على الطعام ، فنزلت رخصة في مؤاكلتهم . وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وأبو داود في مراسيله وابن جرير والبيهقي عن الزهري أنه سئل عن قوله ( ليس على الأعمى حرج ) ) ما بال الأعمى والأعرج والمريض ذكروا هنا ؟ فقال : أخبرني عبيد الله بن عبد الله أن المسلمين كانوا إذا غزوا خلفوا زمناهم ، وكانوا يدفعون إليهم مفاتيح أبوابهم يقولون قد أحللنا لكم أن تأكلوا مما في بيوتنا ، وكانوا يتحرجون من ذلك يقولون لا ندخلها وهم غيب ، فأنزل الله هذه الآية رخصة لهم . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة قال : كان هذا الحي من بني كنانة بن خزيمة يرى أحدهم أن عليه مخزاة أن يأكل وحده في الجاهلية ، حتى إن كان الرجل يسوق الزود الحفل وهو جائع حتى يجد من يؤاكله ويشاربه ، فأنزل الله ( ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا ) وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن عكرمة وأبى صالح قالا : كانت الأنصار إذا نزل بهم الضيف لا يأكلون حتى يأكل الضيف معهم ، فنزلت رخصة لهم . وأخرج الثعلبي عن ابن عباس في الآية ، قال خرج الحارث غازيا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وخلف على أهله خالد بن يزيد ، فحرج أن يأكل من طعامه ، وكان مجهودا فنزلت . وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله ( أو صديقكم ) قال : إذا دخلت بيت صديقك من غير مؤامرته ، ثم أكلت من طعامه بغير إذنه لم يكن بذلك بأس . وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله ( أو صديقكم ) قال : هذا شئ قد انقطع ، إنما كان هذا في أوله ولم يكن لهم أبواب ، وكانت الستور مرخاة ، فربما دخل الرجل البيت وليس فيه أحد ، فربما وجد الطعام وهو جائع فسوغه الله أن يأكله . وقال : ذهب ذلك اليوم البيوت فيها أهلها ، فإذا خرجوا أغلقوا فقد ذهب ذلك .