الشوكاني

54

فتح القدير

إذا ما صنعت الزاد فالتمسي له * أكيلا فإني لست آكله وحدي ( فإذا دخلتم بيوتا ) هذا شروع في بيان أدب آخر أدب به عباده : أي إذا دخلتم بيوتا غير البيوت التي تقدم ذكرها ( فسلموا على أنفسكم ) أي على أهلها الذين هم بمنزلة أنفسكم . وقيل المراد البيوت المذكورة سابقا . وعلى القول الأول ، فقال الحسن والنخعي : هي المساجد ، والمراد سلموا على من فيها من صنفكم ، فإن لم يكن في المساجد أحد ، فقيل يقول : السلام على رسول الله ، وقيل يقول : السلام عليكم مريدا للملائكة ، وقيل يقول : السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين . وقال بالقول الثاني : أعني أنها البيوت المذكورة سابقا جماعة من الصحابة والتابعين ، وقيل المراد بالبيوت هنا هي كل البيوت المسكونة وغيرها ، فيسلم على أهل المسكونة ، وأما غير المسكونة فيسلم على نفسه . قال ابن العربي : القول بالعموم في البيوت هو الصحيح ، وانتصاب ( تحية ) على المصدرية ، لأن قوله فسلموا معناه فحيوا : أي تحية ثابتة ( من عند الله ) أي إن الله حياكم بها . وقال الفراء : أي إن الله أمركم أن تفعلوها طاعة له ، ثم وصف هذه التحية فقال ( مباركة ) أي كثيرة البركة والخير دائمتهما ( طيبة ) أي تطيب بها نفس المستمع ، وقيل حسنة جميلة . وقال الزجاج : أعلم الله سبحانه أن السلام مبارك طيب لما فيه من الأجر والثواب ، ثم كرر سبحانه فقال ( كذلك يبين الله لكم الآيات ) تأكيدا لما سبق . وقد قدمنا أن الإشارة بذلك إلى مصدر الفعل ( لعلكم تعقلون ) تعليل لذلك التبيين برجاء تعقل آيات الله سبحانه وفهم معانيها . وقد أخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان قال : بلغنا أن رجلا من الأنصار وامرأته أسماء بنت مرشدة صنعا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم طعاما ، فقالت أسماء : يا رسول الله ما أقبح هذا إنه ليدخل على المرأة وزوجها وهما في ثوب واحد غلامهما بغير إذن ، فأنزل الله في ذلك ( يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم ) يعني العبيد والإماء ( والذين لم يبلغوا الحلم منكم ) قال : من أحراركم من الرجال والنساء . وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في هذه الآية قال : كان أناس من أصحاب رسول الله عليه وآله وسلم يعجبهم أن يواقعوا نساءهم في هذه الساعات ليغتسلوا ، ثم يخرجوا إلى الصلاة ، فأمرهم الله أن يأمروا المملوكين والغلمان أن لا يدخلوا عليهم في تلك الساعات إلا بإذن . وأخرج ابن مردويه عن ثعلبة القرظي عن عبد الله بن سويد قال " سألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن العورات الثلاث ، فقال : إذا أنا وضعت ثيابي بعد الظهيرة لم يلج على أحد من الخدم من الذين لم يبلغوا الحلم ولا أحد لم يبلغ الحلم من الأحرار إلا بإذن ، وإذا وضعت ثيابي بعد صلاة العشاء ، ومن قبل صلاة الصبح " . وأخرجه عبد بن حميد والبخاري في الأدب عن عبد الله بن سويد من قوله . وأخرج نحوه أيضا ابن سعد عن سويد بن النعمان . وأخرج سعيد بن منصور وابن وأبي شيبة وأبو داود وابن مردويه والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال : إنه لم يؤمن بها أكثر الناس : يعني آية الإذن ، وإني لآمر جاريتي هذه ، لجارية قصيرة قائمة على رأسه أن تستأذن علي . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس ، قال : ترك الناس ثلاث آيات لم يعملوا بهن - يا أيها الذين امنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم - ، والآية التي في سورة النساء - وإذا حضر القسمة - الآية ، والآية التي في الحجرات - إن أكرمكم عند الله أتقاكم - . وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في السنن عنه أيضا في الآية قال : إذا خلا الرجل بأهله بعد العشاء فلا يدخل عليه صبي ولا خادم إلا بإذنه حتى يصلي الغداة ، وإذا خلا بأهله عند الظهر فمثل ذلك ، ورخص لهم في الدخول فيما بين ذلك بغير إذن ، وهو قوله ( ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن ) فأما من بلغ الحلم ، فإنه لا يدخل على الرجل وأهله إلا بإذن على كل حال ، وهو قوله ( وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم ) . وأخرج أبو داود وابن