الشوكاني

47

فتح القدير

خطاب للمأمورين ، وأصله فإن تتولوا فحذف إحدى التاءين تخفيفا ، وفيه رجوع من الخطاب مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى الخطاب لهم لتأكيد الأمر عليهم والمبالغة في العناية بهدايتهم إلى الطاعة والانقياد ، وجواب الشرط قوله ( فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم ) أي فاعلموا أنما على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما حمل مما أمر به من التبليغ وقد فعل ، وعليكم ما حملتم : أي ما أمرتم به من الطاعة ، وهو وعيد لهم ، كأنه قال لهم : فإن توليتم فقد صرتم حاملين للحمل الثقيل ( وإن تطيعوه ) فيما أمركم به ونهاكم عنه ( تهتدوا ) إلى الحق وترشدوا إلى الخير وتفوزوا بالأجر ، وجملة ( وما على الرسول إلا البلاغ المبين ) مقررة لما قبلها ، واللام إما للعهد فيراد بالرسول نبينا صلى الله عليه وآله وسلم ، وإما للجنس فيراد كل رسول ، والبلاغ المبين : التبليغ الواضح أو الموضح . قيل يجوز أن يكون قوله ( فإن تولوا ) ماضيا وتكون الواو لضمير الغائبين ، وتكون هذه الجملة الشرطية مما أمر به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يقوله لهم ، ويكون في الكلام التفات من الخطاب إلى الغيبة ، والأول أرجح . ويؤيده الخطاب في قوله ( وعليكم ما حملتم ) وفي قوله ( وإن تطيعوه تهتدوا ) ويؤيده أيضا قراءة البزي ( فإن تولوا ) بتشديد التاء وإن كانت ضعيفة لما فيها من الجمع بين ساكنين ( وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ) هذه الجملة مقررة لما قبلها من أن طاعتهم لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سبب لهدايتهم ، وهذا وعد من الله سبحانه لمن آمن بالله وعمل الأعمال الصالحات بالاستخلاف لهم في الأرض لما استخلف الذين من قبلهم من الأمم ، وهو وعد يعم جميع الأمة . وقيل هو خاص بالصحابة ، ولا وجه لذلك ، فإن الإيمان وعمل الصالحات لا يختص بهم ، بل يمكن وقوع ذلك من كل واحد من هذه الأمة ، ومن عمل بكتاب الله وسنة رسوله فقد أطاع الله ورسوله ، واللام في ( ليستخلفنهم في الأرض ) جواب لقسم محذوف ، أو جواب للوعد بتنزيله منزلة القسم ، لأنه ناجز لا محالة ، ومعنى ليستخلفنهم في الأرض : ليجعلنهم فيها خلفاء يتصرفون فيها تصرف الملوك في مملوكاتهم ، وقد أبعد من قال إنها مختصة بالخلفاء الأربعة ، أو بالمهاجرين ، أو بأن المراد بالأرض أرض مكة ، وقد عرفت أن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، وظاهر قوله ( كما استخلف الذين من قبلهم ) كل من استخلفه الله في أرضه فلا يخص ذلك ببني إسرائيل ولا أمة من الأمم دون غيرها . قرأ الجمهور ( كما استخلف ) بفتح الفوقية على البناء للفاعل . وقرأ عيسى بن عمر وأبو بكر والمفضل عن عاصم بضمها على البناء للمفعول ، ومحل الكاف النصب على المصدرية : أي استخلافا كما أستخلف ، وجملة ( وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم ) معطوفة على ليستخلفنهم داخلة تحت حكمه كائنة من جملة الجواب ، والمراد بالتمكين هنا : التثبيت والتقرير : أي يجعله الله ثابتا مقررا ويوسع لهم في البلاد ويظهر دينهم على جميع الأديان ، والمراد بالدين هنا : الإسلام ، كما في قوله - ورضيت لكم الإسلام دينا - ذكر سبحانه وتعالى الاستخلاف لهم أولا ، وهو جعلهم ملوكا ، وذكر التمكين ثانيا . فأفاد ذلك أن هذا الملك ليس على وجه العروض والطرو ، بل على وجه الاستقرار والثبات ، بحيث يكون الملك لهم ولعقبهم من بعدهم ، وجملة ( وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا ) معطوفة على التي قبلها . قرأ ابن كثير وابن محيصن ويعقوب وأبو بكر " ليبدلنهم " بالتخفيف من أبدل ، وهي قراءة الحسن واختارها أبو حاتم . وقرأ الباقون بالتشديد من بدل واختارها أبو عبيد ، وهما لغتان ، وزيادة البناء تدل على زيادة المعنى ، فقراءة التشديد أرجح من قراءة التخفيف . قال النحاس : وزعم أحمد بن يحيى ثعلب أن بين التخفيف والتثقيل فرقا ، وأنه يقال بدلته : أي غيرته ، وأبدلته : أزلته وجعلت غيره . قال النحاس : وهذا القول صحيح . والمعنى : أنه سبحانه يجعل لهم مكان ما كانوا فيه من الخوف من الأعداء أمنا ، ويذهب عنهم أسباب الخوف الذي كانوا فيه بحيث لا يخشون إلا الله