الشوكاني
42
فتح القدير
نصب : أي ينزل من السماء بردا يكون كالجبال . والحاصل أن " من " في من السماء لابتداء الغاية بلا خلاف و " من " في من جبال فيها ثلاثة أوجه : الأول لابتداء الغاية فتكون هي ومجرورها بدلا من الأولى بإعادة الخافض بدل اشتمال . الثاني أنها للتبعيض فتكون على هذا هي ومجرورها في محل نصب على أنها مفعول الإنزال ، كأنه قال : وينزل بعض جبال . الثالث أنها زائدة : أي ينزل من السماء جبالا . وأما " من " في من برد ففيها أربعة أوجه : الثلاثة المتقدمة . والرابع أنها لبيان الجنس ، فيكون التقدير على هذا الوجه : وينزل من السماء بعض جبال التي هي البرد . قال الزجاج : معنى الآية : وينزل من السماء من جبال برد فيها كما تقول : هذا خاتم في يدي من حديد : أي خاتم حديد في يدي ، لأنك إذا قلت هذا خاتم من حديد وخاتم حديد كان المعنى واحدا انتهى . وعلى هذا يكون من برد في موضع جر صفة لجبال كما كان من حديد صفة لخاتم ويكون مفعول ينزل من جبال ، ويلزم من كون الجبال بردا أن يكون المنزل بردا . وذكر أبو البقاء أن التقدير : شيئا من جبال ، فحذف الموصوف واكتفى بالصفة ( فيصيب به من يشاء ) أي يصيب بما ينزل من البرد من يشاء أن يصيبه من عباده ( ويصرفه عمن يشاء ) منهم ، أو يصيب به مال من يشاء ويصرفه عن مال من يشاء ، وقد تقدم الكلام عن مثل هذا في البقرة ( يكاد سنا برقه يذهب الأبصار ) السنا الضوء : أي يكاد ضوء البرق الذي في السحاب يذهب بالأبصار من شدة بريقه وزيادة لمعانه ، وهو كقوله - يكاد البرق يخطف أبصارهم - . قال الشماخ : وما كادت إذا رفعت سناها * ليبصر ضوءها إلا البصير وقال امرؤ القيس : يضيء سناه أو مصابيح راهب * أهان السليط في الذبال المفتل فالسنا بالقصر ضوء البرق وبالمد الرفعة ، كذا قال المبرد وغيره . وقرأ طلحة بن مصرف ويحيى بن وثاب " سناء برقه " بالمد على المبالغة في شدة الضوء والصفاء ، فأطلق عليه اسم الرفعة والشرف . وقرأ طلحة ويحيى أيضا بضم الباء من برقه وفتح الراء . قال أحمد بن يحيى ثعلب : وهي على هذه القراءة جمع برق . وقال النحاس : البرقة المقدار من البرق والبرقة الواحدة . وقرأ الجحدري وابن القعقاع ( يذهب ) بضم الياء وكسر الهاء من الإذهاب . وقرأ الباقون " سنا " بالقصر " وبرقه " بفتح الباء وسكون الراء و " يذهب " بفتح الياء والهاء من الذهاب ، وخطأ قراءة الجحدري وابن القعقاع الأخفش وأبو حاتم . ومعنى ذهاب البرق بالأبصار : خطفه إياها من شدة الإضاءة وزيادة البريق ، والباء في الأبصار على قراءة الجمهور للإلصاق ، وعلى قراءة غيرهم زائدة ( يقب الله الليل والنهار ) أي يعاقب بينهما ، وقيل يزيد في أحدهما وينقص الآخر ، وقيل يقلبهما باختلاف ما يقدره فيهما من خير وشر ونفع وضر ، وقيل بالحر والبرد ، وقيل المراد بذلك تغيير النهار بظلمة السحاب مرة وبضوء الشمس أخرى ، وتغيير الليل بظلمة السحاب تارة وبضوء القمر أخرى ، والإشارة بقوله ( إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار ) إلى ما تقدم ، ومعنى العبرة : الدلالة الواضحة التي يكون بها الاعتبار ، والمراد بأولى الأبصار كل من له بصر يبصر به . ثم ذكر سبحانه دليلا ثالثا من عجائب خلق الحيوان وبديع صنعته فقال ( والله خلق كل دابة من ماء ) قرأ يحيى بن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي " والله خالق كل دابة " وقرأ الباقون " خلق " والمعنيان صحيحان ، والدابة : كل ما دب على الأرض من الحيوان ، يقال دب يدب فهو دأب ، والهاء للمبالغة ، ومعنى ( من ماء ) من نطفة ، وهي المني ، كذا قال الجمهور . وقال جماعة : إن المراد الماء المعروف لأن آدم خلق من الماء والطين . وقيل في الآية تنزيل الغالب منزلة الكل على القول الأول ، لأن في الحيوانات ما يتولد لا عن نطفة ، ويخرج من هذا