الشوكاني
13
فتح القدير
النبي صلى الله عليه وآله وسلم فذكر ذلك وتلا القرآن ، فلما نزل من المنبر أمر بالرجلين والمرأة فضربوا حدهم ، وسماهم : حسان ، ومسطح بن أثاثة ، وحمنة بنت جحش . واختلفوا في وجه تركه صلى الله عليه وآله وسلم لجلد عبد الله بن أبي ، فقيل لتوفير العذاب العظيم له في الآخرة ، وحد من عداه ليكون ذلك تكفيرا لذنبهم كما ثبت عنه صلى الله عليه وآله وسلم في الحدود أنه قال " إنها كفارة لمن أقيمت عليه " وقيل ترك حده تألفا لقومه واحتراما لابنه ، فإنه كان من صالحي المؤمنين وإطفاء لنائرة الفتنة ، فقد كانت ظهرت مباديها من سعد بن عبادة ومن معه كما في صحيح مسلم . ثم صرف سبحانه الخطاب عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومن معه إلى المؤمنين بطريق الالتفات فقال ( لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا ) لولا هذه هي التحضيضية تأكيدا للتوبيخ والتقريع ومبالغة في معاتبتهم : أي كان ينبغي للمؤمنين حين سمعوا مقالة أهل الإفك أن يقيسوا ذلك على أنفسهم ، فإن كان ذلك يبعد فيهم ، فهو في أم المؤمنين أبعد . قال الحسن : معنى بأنفسهم بأهل دينهم ، لأن المؤمنين كنفس واحدة ألا ترى إلى قوله " ولا تقتلوا أنفسكم " قال الزجاج : ولذلك يقال للقوم الذين يقتل بعضهم بعضا إنهم يقتلون أنفسهم . قال المبرد ومثله قوله سبحانه " فاقتلوا أنفسكم " قال النحاس : بأنفسهم بإخوانهم ، فأوجب الله سبحانه على المسلمين إذا سمعوا رجلا يقذف أحدا ويذكره بقبيح لا يعرفونه به أن ينكروا عليه ويكذبوه . قال العلماء : إن في الآية دليلا على أن درجة الإيمان والعفاف لا يزيلها الخبر المحتمل وإن شاع ( هذا إفك مبين ) أي قال المؤمنون عند سماع الإفك هذا إفك ظاهر مكشوف ، وجملة ( لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء ) من تمام ما يقوله المؤمنون : أي وقالوا هلا جاء الخائضون بأربعة شهداء ) يشهدون على ما قالوا ( فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك ) أي الخائضون في الإفك ( عند الله هم الكاذبون ) أي في حكم الله تعالى هم الكاذبون الكاملون في الكذب ( ولولا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة ) هذا خطاب للسامعين ، وفيه زجر عظيم ( ولولا ) هذه هي لامتناع الشئ لوجود غيره ( لمسكم فيما أفضتم فيه ) أي بسبب ما خضتم فيه من حديث الإفك ، يقال أفاض في الحديث ، واندفع وخاض . والمعنى : لولا أني قضيت عليكم بالفضل في الدنيا بالنعم التي من جملتها الإمهال والرحمة في الآخرة بالعفو ، لعاجلتكم بالعقاب على ما خضتم فيه من حديث الإفك . وقيل المعنى : لولا فضل الله عليكم لمسكم العذاب في الدنيا والآخرة معا ، ولكن برحمته ستر عليكم في الدنيا ويرحم في الآخرة من أتاه تائبا ( إذ تلقونه بألسنتكم ) الظرف منصوب بمسكم أو بأفضتم ، قرأ الجمهور " إذ تلقونه " من التلقي ، والأصل تتلقونه فحذف إحدى التاءين . قال مقاتل ومجاهد : المعنى يرويه بعضكم عن بعض . قال الكلبي : وذلك أن الرجل منهم يلقى الرجل فيقول بلغني كذا وكذا ويتلقونه تلقيا . قال الزجاج : معناه يلقيه بعضكم إلى بعض . وقرأ محمد بن السميفع بضم التاء وسكون اللام وضم القاف ، من الإلقاء ، ومعنى هذه القراءة واضح . وقرأ أبي مسعود " تتلقونه " من التلقي ، وهي كقراءة الجمهور . وقرأ ابن عباس وعائشة وعيسى بن عمر ويحيى بن يعمر وزيد بن علي بفتح التاء وكسر اللام وضم القاف وهذه القراءة مأخوذة من قول العرب ولق يلق ولقا : إذا كذب . قال ابن سيده : جاءوا بالمتعدي شاهدا على غير المتعدي . قال ابن عطية : وعندي أنه أراد يلقون فيه فحذف حرف الجر فاتصل الضمير . قال الخليل وأبو عمرو : أصل الولق الإسراع ، يقال جاءت الإبل تلق : أي تسرع ، ومنه قول الشاعر : لما رأوا جيشا عليهم قد طرق * جاءوا بأسراب من الشام ولق وقال الآخر : جاءت به عيسى من الشام تلق * قال أبو البقاء : أي يسرعون فيه قال ابن جرير :