الشوكاني
105
فتح القدير
المراد بقوله ( فإنهم عدو لي ) آباؤهم الأقدمون لأجل عبادتهم الأصنام ، ورد بأن الكلام مسوق فيما عبدوه لا في العابدين ، والاستثناء في قوله ( إلا رب العالمين ) منقطع : أي لكن رب العالمين ليس كذلك ، بل هو ولي في الدنيا والآخرة . قال الزجاج : قال النحويون : هو استثناء ليس من الأول ، وأجاز الزجاج أيضا أن يكون من الأول على أنهم كانوا يعبدون الله عز وجل ويعبدون معه الأصنام ، فأعلمهم أنه تبرأ مما يعبدون إلا الله . قال الجرجاني : تقديره أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون إلا رب العالمين فإنهم عدو لي ، فجعله من باب التقديم والتأخير ، وجعل إلا بمعنى دون وسوى كقوله - لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى - أي دون الموتة الأولى . وقال الحسن بن الفضل : إن المعنى إلا من عبد رب العالمين ، ثم وصف رب العالمين بقوله ( الذي خلقني فهو يهدين ) أي فهو يرشدني إلى مصالح الدين والدنيا . وقيل إن الموصول مبتدأ وما بعده خبره ، والأول أولى . ويجوز أن يكون الموصول بدلا من رب ، وأن يكون عطف بيان له ، وأن يكون منصوبا على المدح بتقدير أعني أو أمدح ، وقد وصف الخليل ربه بما يستحق العبادة لأجله ، فإن الخلق والهداية والرزق يدل عليه قوله ( والذي هو يطعمني ويسقين ) ودفع ضر المرض ، وجلب نفع الشفاء ، والإماتة والإحياء ، والمغفرة للذنب ، كلها نعم يجب على المنعم عليه ببعضها فضلا عن كلها أن يشكر المنعم بجميع أنواع الشكر التي أعلاها وأولاها العبادة ، ودخول هذه الضمائر في صدور هذه الجمل للدلالة على أنه الفاعل لذلك دون غيره ، وأسند المرض إلى نفسه دون غيره من هذه الأفعال المذكورة رعاية للأدب مع الرب ، وإلا فالمرض وغيره من الله سبحانه ، ومراده بقوله ( ثم يحيين ) البعث ، وحذف الياء من هذه الأفعال لكونها رؤوس الآي . وقرأ ابن أبي إسحاق هذه الأفعال كلها بإثبات الياء ، وإنما قال عليه الصلاة والسلام ( والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين ) هضما لنفسه ، وقيل إن الطمع هنا بمعنى اليقين في حقه ، وبمعنى الرجاء في حق سواه . وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق " خطاياي " قالا : ليست خطيئته واحدة . قال النحاس : خطيئة بمعنى خطايا في كلام العرب . قال مجاهد : يعنى بخطيئته قوله - بل فعله كبيرهم هذا - ، وقوله - إني سقيم - وقوله إن سارة أخته ، زاد الحسن : وقوله للكوكب - هذا ربي - وحكى الواحدي عن المفسرين أنهم فسروا الخطايا بما فسرها به مجاهد . قال الزجاج : الأنبياء بشر ، ويجوز أن تقع عليهم الخطيئة إلا أنهم لا تكون منهم الكبيرة لأنهم معصومون ، والمراد بيوم الدين يوم الجزاء للعباد بأعمالهم ، ولا يخفى أن تفسير الخطايا بما ذكره مجاهد ومن معه ضعيف ، فإن تلك معاريض ، وهي أيضا إنما صدرت عنه بعد هذه المقاولة الجارية بينه وبين قومه . ثم لما فرغ الخليل من الثناء على ربه والاعتراف بنعمه عقبه بالدعاء ليقتدي به غيره في ذلك ، فقال ( رب هب لي حكما ) والمراد بالحكم العلم والفهم ، وقيل النبوة والرسالة ، وقيل المعرفة بحدود الله وأحكامه إلى اخره ( وألحقني بالصالحين ) يعني بالنبيين من قبلي ، وقيل بأهل الجنة ( واجعل لي لسان صدق في الآخرين ) أي اجعل لي ثناء حسنا في الآخرين الذين يأتون بعدي إلى يوم القيامة . قال القتيبي : وضع اللسان موضع القول على الاستعارة ، لأن القول يكون به ، وقد تكنى العرب بها عن الكلمة ، ومنه قول الأعشى : * إني أتتني لسان لا أسر بها * وقد أعطى الله سبحانه إبراهيم ذلك بقوله ( وتركنا عليه في الآخرين ) فإن كل أمة تتمسك به وتعظمه . وقال مكي : قيل معنى سؤاله أن يكون من ذريته في آخر الزمان من يقوم بالحق ، فأجيبت دعوته في محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ولا وجه لهذا التخصيص . وقال القشيري : أراد الدعاء الحسن إلى قيام الساعة ، ولا وجه لهذا أيضا ، فإن لسان الصدق أعم من ذلك ( واجعلني من ورثة جنة النعيم ) من ورثة يحتمل أن يكون مفعولا ثانيا ، وأن يكون صفة لمحذوف هو المفعول الثاني : أي وارثا من ورثة جنة النعيم ، لما طلب عليه