الشوكاني
101
فتح القدير
وجمعها الشراذم . قال الواحدي : قال المفسرون : وكان الشرذمة الذين قللهم فرعون ستمائة ألف ولا يحصى عدد أصحاب فرعون ( وإنهم لنا لغائظون ) يقال : غاظني كذا وأغاظني ، والغيظ الغضب ، ومنه التغيظ والاغتياظ : أي غاظونا بخروجهم من غير إذن مني ( وإنا لجميع حذرون ) قرئ حذرون وحاذرون وحذرون بضم الذال ، حكى ذلك الأخفش . قال الفراء : الحاذر الذي يحذرك الآن ، والحذر المخلوق كذلك لا تلقاه إلا حذرا . وقال الزجاج : الحاذر المستعد ، والحذر المتيقظ ، وبه قال الكسائي ومحمد بن يزيد ، قال النحاس : حذرون قراءة المدنيين وأبي عمرو ، وحاذرون قراءة أهل الكوفة . قال : وأبو عبيدة يذهب إلى أن معنى حذرون وحاذرون واحد وهو قول سيبويه ، وأنشد سيبويه : حذر أمورا لا تضير وحاذر * ما ليس ينجيه من الأقدار ( فأخرجناهم من جنات وعيون وكنوز ومقام كريم ) يعني فرعون وقومه أخرجهم الله من أرض مصر وفيها الجنات والعيون والكنوز ، وهي جمع جنة وعين وكنز ، والمراد بالكنوز : الخزائن ، وقيل الدفائن ، وقيل الأنهار ، وفيه نظر لأن العيون المراد بها عند جمهور المفسرين عيون الماء فيدخل تحتها الأنهار . واختلف في المقام الكريم ، فقيل المنازل الحسان ، وقيل المنابر ، وقيل مجالس الرؤساء والأمراء ، وقيل مرابط الخيل ، والأول أظهر ، ومن ذلك قول الشاعر : وفيهم مقامات حسان وجوهها * وأندية ينتابها القول والفعل ( كذلك وأورثناها بني إسرائيل ) يحتمل أن يكون كذلك في محل نصب : أي أخرجناهم مثل ذلك الإخراج الذي وصفنا ، ويحتمل أن يكون في محل جر على الوصفية : أي مقام كريم مثل ذلك المقام الذي كان لهم ، ويحتمل الرفع علي أنه خبر مبتدأ محذوف : أي الأمر كذلك : ومعنى وأورثناها بني إسرائيل جعلناها ملكا لهم ، وهو معطوف على فأخرجناهم ( فأتبعوهم مشرقين ) روي قراءة الجمهور بقطع الهمزة ، وقرأ الحسن والحارث الديناري بوصلها وتشديد التاء : أي فلحقوهم حال كونهم مشرقين : أي داخلين في وقت الشروق . يقال شرقت الشمس شروقا إذا طلعت كأصبح وأمسى : أي دخل في هذين الوقتين ، وقيل داخلين نحو المشرق كأنجد وأتهم ، وقيل معنى مشرقين مضيئين . قال الزجاج : يقال شرقت الشمس إذا طلعت ، وأشرقت إذا أضائت ( فلما تراءى الجمعان ) قرأ الجمهور " تراءى " بتخفيف الهمزة ، وقرأ ابن وثاب والأعمش من غير همز ، والمعنى : تقابلا بحيث يرى كل فريق صاحبه ، وهو تفاعل من الرؤية ، وقرئ " تراءت الفئتان " ( قال أصحاب موسى إنا لمدركون ) أي سيدركنا جمع فرعون ولا طاقة لنا بهم . قرأ الجمهور " إنا لمدركون " اسم مفعول من أردك ، ومنه - حتى إذا أدركه الغرق - وقرأ الأعرج وعبيد بن عمير بفتح الدال مشددة وكسر الراء . قال الفراء : هما بمعنى واحد . قال النحاس : ليس كذلك يقول النحويون الحذاق ، إنما يقولون مدركون بالتخفيف ملحقون وبالتشديد مجتهدون في لحاقهم . قال : وهذا معنى قول سيبويه . وقال الزمخشري : إن معنى هذه القراءة إنا لمتتابعون في الهلاك على أيديهم حتى لا يبقى منا أحد ( قال كلا إن معي ربي سيهدين ) قال موسى هذه المقالة زجرا لهم وردعا ، والمعنى : أنهم لا يدركونكم ، وذكرهم وعد الله بالهداية والظفر ، والمعنى : إن معي ربي بالنصر والهداية سيهدين : أي يدلني على طريق النجاة ، فلما عظم البلاء على بني إسرائيل ورأوا من الجيوش مالا طاقة لهم به ، وأمر الله سبحانه موسى أن يضرب البحر بعصاه ، وذلك قوله ( فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر ) لما قال موسى : ( إن معي ربي سيهدين ) بين الله سبحانه له طريق الهداية فأمره بضرب البحر ، وبه نجا بنو إسرائيل وهلك عدوهم ، والفاء في ( فانفلق ) فصيحة : أي