الشوكاني

96

فتح القدير

سورة إبراهيم الآية ( 11 - 12 ) قوله ( وإذ قال موسى ) الظرف متعلق بمحذوف هو أذكر : أي أذكر وقت قول موسى و ( إذ أنجاكم ) متعلق باذكروا : أي اذكروا إنعامه عليكم وقت إنجائه لكم من آل فرعون ، أو بالنعمة ، أو بمتعلق عليكم : أي مستقرة عليكم وقت إنجائه ، وهو بدل اشتمال من النعمة مرادا بها الإنعام أو العطية ( يسومونكم سوء العذاب ) أي يبغونكم ، يقال سامه ظلما ، وأصل السوم الذهاب في طلب الشئ وسوء العذاب : مصدر ساء يسوء ، والمراد حبس العذاب السيئ ، وهو استعبادهم واستعمالهم في الأعمال الشاقة ، وعطف ( يذبحون أبناءكم ) على ( يسومونكم سوء العذاب ) وإن كان التذبيح من جنس سوء العذاب إخراجا له عن مرتبة العذاب المعتاد حتى كأنه جنس آخر لما فيه من الشدة ، ومع طرح الواو كما في الآية الأخرى يكون التذبيح تفسيرا لسوء العذاب ( ويستحيون نساءكم ) أي يتركونهن في الحياة لإهانتهن وإذلالهن ( وفى ذلكم ) المذكور من أفعالهم ( بلاء من ربكم عظيم ) أي ابتلاء لكم ، وقد تقدم تفسير هذه الآية في سورة البقرة مستوفى ( وإذ تأذن ربكم ) تأذن بمعنى أذن قاله الفراء . قال في الكشاف : ولا بد في تفعل من زيادة معنى ليست في أفعل ، كأنه قيل : وإذ أذن ربكم إيذانا بليغا تنتفي عنه الشكوك وتنزاح الشبه . والمعنى : وإذ تأذن ربكم فقال ( لئن شكرتم ) أو أجرى تأذن مجرى قال . لأنه ضرب من القول انتهى ، وهذا من قول موسى لقومه ، وهو معطوف على نعمة الله : أي اذكروا نعمة الله عليكم واذكروا حين تأذن ربكم ، وقيل هو معطوف على قوله : إذ أنجاكم : أي اذكروا نعمة الله تعالى في هذين الوقتين ، فإن هذا التأذن أيضا نعمة - وقيل هو من قول الله سبحانه : أي واذكر يا محمد إذ تأذن ربكم . وقرأ ابن مسعود " وإذ قال ربكم " والمعنى واحد كما تقدم ، واللام في لئن شكرتم غير الموطئة للقسم ، وقوله ( لأزيدنكم ) ساد مسد جوابي الشرط والقسم ، وكذا اللام في ( ولئن كفرتم ) وقوله ( إن عذابي لشديد ) ساد مسد الجوابين أيضا ، والمعنى : لأن شكرتم إنعامي عليكم بما ذكر لأزيدنكم نعمة إلى نعمة تفضلا منى ، وقيل لأزيدنكم من طاعتي ، وقيل لأزيدنكم من الثواب ، والأول أظهر فالشك سبب المزيد ، ولئن كفرتم ذلك وجحدتموه إن عذابي لشديد ، فلا بد أن يصيبكم منه ما يصيب ، وقيل إن الجواب محذوف : أي ولئن كفرتم لأعذبنكم ، والمذكور تعليل للجواب المحذوف ( وقال موسى إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا ) أي إن تكفروا نعمته تعالى أنتم وجميع الخلق ولم تشكروها ( فإن الله ) سبحانه ( لغنى ) عن شكركم لا يحتاج إليه ولا يلحقه بذلك نقص ( حميد ) أي مستوجب للحمد لذاته لكثرة إنعامه ، وإن لم تشكروه ، أو يحمده غيركم من الملائكة ( ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم ) يحتمل أن يكون هذا خطابا من موسى لقومه ، فيكون داخلا تحت التذكير بأيام الله ، ويحتمل أن يكون من كلام الله سبحانه ابتداء خطابا لقوم موسى وتذكيرا لهم بالقرون الأولى وأخبارهم ومجئ رسل الله إليهم ، ويحتمل أنه ابتداء خطاب من الله سبحانه لقوم محمد صلى الله عليه وآله وسلم تحذيرا لهم عن مخالفته ، النبأ : الخبر ، والجمع الأنباء ومنه قول الشاعر : ألم تأتيك والأنباء تنمى * بما لاقت لبون بنى زياد و ( قوم نوح ) بدل من الموصول ، أو عطف بيان ( وعاد وثمود والذين من بعدهم ) أي من بعد هؤلاء