الشوكاني

87

فتح القدير

سورة الرعد الآية ( 36 - 39 ) اختلف المفسرون في تفسير الكتاب المذكور فقيل : هو التوراة والإنجيل ، والذين يفرحون بما أنزل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هم من أسلم من اليهود والنصارى . وقيل الذين يفرحون هم أهل الكتابين لكون ذلك موافقا لما في كتبهم مصدقا له ، فعلى الأول يكون المراد بقوله ( ومن الأحزاب من ينكر بعضه ) من لم يسلم من اليهود والنصارى ، وعلى الثاني يكون المراد به المشركين من أهل مكة ومن يماثلهم ، أو يكون المراد به البعض من أهل الكتابين : أي من أحزابهما ، فإنهم أنكروه لما يشتمل عليه من كونه ناسخا لشرائعهم فيتوجه فرح من فرح به منهم إلى ما هو موافق لما في الكتابين ، وإنكار من أنكر منهم إلى ما خالفهما ، وقيل المراد بالكتاب القرآن ، والمراد بمن يفرح به المسلمون ، والمراد بالأحزاب المتحزبون على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من المشركين واليهود والنصارى . والمراد بالبعض الذي أنكروه من خالف ما يعتقدونه على اختلاف اعتقادهم . واعترض على هذا بأن فرح المسلمين بنزول القرآن معلوم فلا فائدة في ذكره . وأجيب عنه بأن المراد زيادة الفرح والاستبشار . وقال كثير من المفسرين : إن عبد الله بن سلام والذين آمنوا معه من أهل الكتاب ساءهم قلة ذكر الرحمن في القرآن مع كثرة ذكره في التوراة . فأنزل الله ( قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن ) ففرحوا بذلك ، ثم لما بين ما يحصل بنزول القرآن من الفرح للبعض والإنكار للبعض صرح بما عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وأمره أن يقول لهم ذلك ، فقال ( قل إنما أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به ) أي لا أشرك به بوجه من الوجوه : أي قل لهم يا محمد إلزاما للحجة وردا للإنكار إنما أمرت فيما أنزل إلى بعبادة الله وتوحيده ، وهذا أمر اتفقت عليه الشرائع وتطابقت على عدم إنكاره جميع الملل المقتدية بالرسل ، وقد اتفق القراء على نصب ولا أشرك به عطفا على أعبد . وقرأ أبو خليد بالرفع على الاستئناف . وروى هذه القراءة عن نافع ( إليه ادعوا ) أي إلى الله لا إلى غيره أو إلى ما أمرت به وهو عبادة الله وحده . والأول أولى لقوله ( وإليه مآب ) فإن الضمير لله سبحانه : أي إليه وحده : لا إلى غيره مرجعي . ثم ذكر بعض فضائل القرآن . وأوعد على الإعراض عن اتباعه مع التعرض لرد ما أنكروه من اشتماله على نسخ بعض شرائعهم فقال ( وكذلك أنزلناه حكما عربيا ) أي مثل ذلك الإنزال البديع أنزلنا القرآن مشتملا على أصول الشرائع وفروعها ، وقيل المعنى : وكما أنزلنا الكتب على الرسل بلغاتهم كذلك أنزلنا عليك القرآن بلسان العرب ، ونريد بالحكم ما فيه من الأحكام أو حكمة عربية مترجمة بلسان العرب ، وانتصاب حكما على الحال ( ولئن اتبعت أهواءهم ) التي يطلبون منك موافقتهم عليها كالاستمرار منك على التوجه إلى قبلتهم وعدم مخالفتك لشئ مما يعتقدونه ( بعد