الشوكاني

81

فتح القدير

ومعنى يقدر : يضيق ، ومنه - ومن قدر عليه رزقه - أي ضيق ، وقيل معنى يقدر : يعطى بقدر الكفاية ، ومعنى الآية : أنه الفاعل لذلك وحده القادر عليه دون غيره ( وفرحوا بالحياة الدنيا ) أي مشركو مكة فرحوا بالدنيا وجهلوا ما عند الله ، قيل وفى هذه الآية تقديم وتأخير ، والتقدير : الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض وفرحوا بالحياة الدنيا ، فيكون وفرحوا معطوفا على يفسدون ( وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع ) أي ما هي إلا شئ يستمتع به ، وقيل المتاع واحد الأمتعة كالقصعة والسكرجة ونحوهما ، وقيل المعنى : شئ قليل ذاهب ، من متع النهار : إذا ارتفع فلا بد له من زوال ، وقيل زاد كزاد الراكب يتزود به منها إلى الآخرة ( ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه ) أي يقول أولئك المشركون من أهل مكة هلا أنزل على محمد آية من ربه ؟ وقد تقدم تفسير هذا قريبا ، وتكرر في مواضع ( قل إن الله يضل من يشاء ) أمره الله سبحانه أن يجيب عليهم بهذا ، وهو أن الضلال بمشيئة الله سبحانه ، من شاء أن يضله ضل كما ضل هؤلاء القائلون " لولا أنزل عليه آية من ربه " ( ويهدى إليه من أناب ) أي ويهدى إلى الحق ، أو إلى الإسلام ، أو إلى جنابه عز وجل ( من أناب ) : أي من رجع إلى الله بالتوبة والإقلاع عما كان عليه ، وأصل الإنابة الدخول في نوبة الخير ، كذا قال النيسابوري ، ومحل الذين آمنوا النصب على البدلية من قوله " من أناب " أي أنهم هم الذين هداهم الله وأنابوا إليه ، ويجوز أن يكون الذين آمنوا خبر مبتدأ محذوف : أي هم الذين آمنوا ، أو منصوب على المدح ( وتطمئن قلوبهم بذكر الله ) أي تسكن وتستأنس بذكر الله سبحانه بألسنتهم كتلاوة القرآن والتسبيح والتحميد والتكبير والتوحيد ، أو بسماع ذلك من غيرهم ، وقد سمى سبحانه القرآن ذكرا قال - وهذا ذكر مبارك أنزلناه - ، وقال - إنا نحن نزلنا الذكر - قال الزجاج : أي إذا ذكر الله وحده آمنوا به غير شاكين بخلاف من وصف بقوله - وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة - وقيل تطمئن قلوبهم بتوحيد الله ، وقيل المراد بالذكر هنا الطاعة ، وقيل بوعد الله ، وقيل بالحلف بالله ، فإذا حلف خصمه بالله سكن قلبه ، وقيل بذكر رحمته ، وقيل بذكر دلائله الدالة على توحيده ( ألا بذكر الله ) وحده دون غيره ( تطمئن القلوب ) والنظر في مخلوقات الله سبحانه وبدائع صنعه وإن كان يفيد طمأنينة في الجملة ، لكن ليست كهذه الطمأنينة ، وكذلك النظر في المعجزات من الأمور التي لا يطيقها البشر ، فليس إفادتها للطمأنينة كإفادة ذكر الله ، فهذا وجه ما يفيده هذا التركيب من القصر ( الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم وحسن مآب ) الموصول مبتدأ خبره الجملة الدعائية ، وهى طوبى لهم على التأويل المشهور ، ويجوز أن يكون الموصول في محل نصب على المدح ، وطوبى لهم خبر مبتدأ محذوف ، ويجوز أن يكون الموصول بدلا من القلوب على حذف مضاف : أي قلوب الذين آمنوا . قال أبو عبيدة والزجاج وأهل اللغة : طوبى فعلى من الطيب . قال ابن الأنباري : وتأويلها الحال المستطابة ، وقيل طوبى شجرة في الجنة ، وقيل هي الجنة ، وقيل هي البستان بلغة الهند ، وقيل معنى طوبى لهم : حسنى لهم ، وقيل خير لهم ، وقيل كرامة لهم ، وقيل غبطة لهم . قال النحاس : وهذه الأقوال متقاربة ، والأصل طيبي فصارت الياء واوا لسكونها وضم ما قبلها ، واللام في لهم للبيان مثل سقيا لك ورعيا لك . وقرئ " حسن مآب " بالنصب والرفع ، من آب إذا رجع : أي وحسن مرجع ، وهو الدار الآخرة ( كذلك أرسلناك في أمة قد خلت من قبلها أمم ) أي مثل ذلك الإرسال العظيم الشأن المشتمل على المعجزة الباهرة أرسلناك يا محمد . وقيل شبه الأنعام على من أرسل إليه محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالأنعام على من أرسل إليه الأنبياء قبله ، ومعنى ( في أمة قد خلت من قبلها أمم ) في قرن قد مضت من قبله قرون ، أو في جماعة من الناس قد مضت من قبلها جماعات ( لتتلوا عليهم الذي أوحينا إليك ) أي لتقرأ عليهم القرآن ،