الشوكاني

78

فتح القدير

سورة الرعد الآية ( 21 - 25 ) الهمزة في قوله ( أفمن يعلم ) للإنكار على من يتوهم المماثلة بين من يعلم أنما أنزله الله سبحانه إلى رسوله صلى الله عليه وآله وسلم من الحق الذي لا شك فيه ولا شبهة ، وهو القرآن . وبين من هو أعمى لا يعلم ذلك ، فإن الحال بينهما متباعد جدا كالتباعد الذي بين الماء والزبد . وبين الخبث والخالص من تلك الأجسام ، ثم بين سبحانه أنه إنما يقف على تفاوت المنزلتين ، وتباين الرتبتين أهل العقول الصحيحة . فقال ( إنما يتذكر أولو الألباب ) ثم وصفهم بهذه الأوصاف المادحة ، فقال ( الذين يوفون بعهد الله ) أي بما عقدوه من العهود فيما بينهم وبين ربهم ، أو فيما بينهم وبين العباد ( ولا ينقضون الميثاق ) الذي وثقوه على أنفسهم . وأكدوه بالأيمان ونحوها ، وهذا تعميم بعد التخصيص ، لأنه يدخل تحت الميثاق كل ما أوجبه العبد على نفسه كالنذور ونحوها ، ويحتمل أن يكون الأمر بالعكس فيكون من التخصيص بعد التعميم على أن يراد بالعهد جميع عهود الله . وهى أوامره ونواهيه التي وصى بها عبيده ، ويدخل في ذلك الالتزامات التي يلزم بها العبد نفسه . ويراد بالميثاق ما أخذه الله على عباده حين أخرجهم من صلب آدم في عالم الذر المذكور في قوله سبحانه - وإذ أخذ ربك من بني آدم - الآية ( والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ) ظاهره شمول كل ما أمر الله بصلته * ونهى عن قطعه من حقوق الله وحقوق عباده . ويدخل تحت ذلك صلة الأرحام دخولا أوليا . وقد قصره كثير من المفسرين على صلة الرحم . واللفظ أوسع من ذلك ( ويخشون ربهم ) خشية تحملهم على فعل ما وجب . واجتناب ما لا يحل ( ويخافون سوء الحساب ) وهو الاستقصاء فيه والمناقشة للعبد ، فمن نوقش الحساب عذب . ومن حق هذه الخيفة أن يحاسبوا أنفسهم قبل أن يحاسبوا ( والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم ) قيل هو كلام مستأنف . وقيل معطوف على ما قبله والتعبير عنه بلفظ المضي للتنبيه على أنه ينبغي تحققه . والمراد بالصبر الصبر على الإتيان بما أمر الله به . واجتناب ما نهى عنه ، وقيل على الرزايا والمصائب ، ومعنى كون ذلك الصبر لابتغاء وجه الله : أن يكون خالصا له . لا شائبة فيه لغيره ( وأقاموا الصلاة ) أي فعلوها في أوقاتها على ما شرعه الله سبحانه في أذكارها وأركانها مع الخشوع والإخلاص . والمراد بها الصلوات المفروضة ، وقيل أعم من ذلك ( وأنفقوا مما رزقناهم ) أي أنفقوا بعض ما رزقناهم . والمراد بالسر : صدقة النفل . والعلانية : صدقة الفرض ، وقيل السر لمن لم يعرف بالمال . أو لا يتهم بترك الزكاة . والعلانية لمن كان يعرف بالمال أو يتهم بترك الزكاة ( ويدرؤن بالحسنة السيئة ) أي يدفعون سيئة من أساء إليهم بالإحسان إليه كما في قوله تعالى - ادفع بالتي هي أحسن - ، أو يدفعون بالعمل الصالح العمل السئ ، أو يدفعون الشر بالخير . أو المنكر