الشوكاني
76
فتح القدير
بها ، ومثل الكافر وكفره كمثل الزبد الذي يذهب جفاء . وكمثل خبث الحديد وما تخرجه النار من وسخ الفضة والذهب الذي لا ينتفع به . وقد حكينا عن ابن الأنباري فيما تقدم أنه شبه نزول القرآن إلى آخر ما ذكرناه فجعل ذلك مثلا ضربه الله للقرآن ( كذلك يضرب الله الأمثال ) أي مثل ذلك الضرب العجيب يضرب الله الأمثال في كل باب لكمال العناية بعباده واللطف بهم ، وهذا تأكيد لقوله : كذلك يضرب الله الحق والباطل ، ثم بين سبحانه من ضرب له مثل الحق ومثل الباطل من عباده ، فقال فيمن ضرب له مثل الحق ( للذين استجابوا لربهم ) أي أجابوا دعوته إذ دعاهم إلى توحيده وتصديق أنبيائه والعمل بشرائعه ، والحسنى صفة موصوف محذوف . أي المثوبة الحسنى وهى الجنة ، وقال سبحانه فيمن ضرب له مثل الباطل ( والذين لم يستجيبوا ) لدعوته إلى ما دعاهم إليه ، والموصول مبتدأ وخبره الجملة الشرطية ، وهى ( لو أن لهم ما في الأرض جميعا ) من أصناف الأموال التي يتملكها العباد ويجمعونها بحيث لا يخرج عن ملكهم منها شئ ( ومثله معه ) أي مثل ما في الأرض جميعا كائنا معه ومنضما إليه ( لافتدوا به ) أي بمجموع ما ذكر وهو ما في الأرض ومثله . والمعنى : ليخلصوا به مما هم فيه من العذاب الكبير والهول العظيم ، ثم بين الله سبحانه ما أعده لهم فقال ( أولئك ) يعنى الذين لم يستجيبوا ( لهم سوء الحساب ) قال الزجاج : لأن كفرهم أحبط أعمالهم ، وقال غيره : سوء الحساب المناقشة فيه ، وقيل هو أن يحاسب الرجل بذنبه كله لا يغفر منه شئ ( ومأواهم جهنم ) أي مرجعهم إليها ( وبئس المهاد ) أي المستقر الذي يستقرون فيه . والمخصوص بالذم محذوف . وقد أخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله ( هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا ) قال : خوفا للمسافر يخاف أذاه ومشقته ، وطمعا للمقيم يطمع في رزق الله ويرجو بركة المطر ومنفعته . وأخرج أبو الشيخ عن الحسن قال : خوفا لأهل البحر وطمعا لأهل البر . وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك قال : الخوف ما يخاف من الصواعق والطمع : الغيث . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والخرائطي في مكارم الأخلاق والبيهقي في سننه من طرق عن علي بن أبي طالب قال : البرق مخاريق من نار بأيدي ملائكة السحاب يزجرون به السحاب . وروى عن جماعة من السلف ما يوافق هذا ويخالفه . ولعلنا قد قدمنا في سورة البقرة شيئا من ذلك . وأخرج أحمد عن شيخ من بني غفار قد صحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : سمعت رسول اله صلى الله عليه وآله وسلم يقول " إن الله ينشئ السحاب فتنطق أحسن النطق وتضحك أحسن الضحك " قيل والمراد بنطقها الرعد ، وبضحكها البرق . وقد ثبت عند أحمد والترمذي والنسائي في اليوم والليلة والحاكم في مستدركه من حديث ابن عمر قال : كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا سمع الرعد والصواعق قال " اللهم لا تقتلنا بغضبك ، ولا تهلكنا بعذابك ، وعافنا قبل ذلك " . وأخرج العقيلي وضعفه وابن مردويه عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " ينشئ الله السحاب ثم ينزل فيه الماء . فلا شئ أحسن من ضحكه ، ولا شئ أحسن من نطقه ، ومنطقه الرعد وضحكه البرق " . وأخرج ابن مردويه عن جابر بن عبد الله " أن خزيمة بن ثابت ، وليس بالأنصاري ، سأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن منشأ السحاب فقال : إن ملكا موكلا يلم القاصية ويلحم الدانية في يده مخراق ، فإذا رفع برقت وإذا زجر رعدت ، وإذا ضرب صعقت " . وأخرج أحمد والترمذي وصححه والنسائي وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة وابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل والضياء في المختارة عن ابن عباس قال : أقبلت يهود إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا : يا أبا القاسم إنا نسألك عن خمسة أشياء ، فإن أنبأتنا بهن عرفنا أنك نبي واتبعناك ، فأخذ عليهم ما أخذ