الشوكاني

57

فتح القدير

وقيل اللطيف العالم بدقائق الأمور ، ومعنى لما يشاء : لأجل ما يشاء حتى يجئ على وجه الصواب ( إنه هو العليم الحكيم ) أي العليم بالأمور الحكيم في أفعاله ، ولما أتم الله نعمته على يوسف عليه السلام بما خلصه منه من المحن العظيمة وبما خوله من الملك وعلمه من العلم ، تاقت نفسه إلى الخير الأخروي الدائم الذي لا ينقطع ، فقال ( رب قد آتيتني من الملك ) من للتبعيض : أي بعض الملك ، لأنه لم يؤت كل الملك ، وإنما أوتي ملكا خاصا ، وهو ملك مصر في زمن خاص ( وعلمتني من تأويل الأحاديث ) أي بعضها ، لأنه لم يؤت جميع علم التأويل سواء أريد به مطلق العلم والفهم ، أو مجرد تأويل الرؤيا ، وقيل من للجنس كما في قوله - فاجتنبوا الرجس من الأوثان - وقيل زائدة : أي آتيتني الملك وعلمتني تأويل الأحاديث ( فاطر السماوات والأرض ) منتصب على أنه صفة لرب ، لكونه منادى مضافا . ويجوز أن يكون انتصابه على أنه منادى بحرف مقدر : أي يا فاطر ، والفاطر الخالق المنشي والمخترع والمبدع ( أنت وليي ) أي ناصري ومتولي أموري ( في الدنيا والآخرة ) تتوالاني فيهما ( توفني مسلما وألحقني بالصالحين ) أي توفني على الإسلام لا يفارقني حتى أموت ، وألحق بالصالحين من النبيين من آبائي وغيرهم فأظفر بثوابهم منك ودرجاتهم عندك . قيل إنه لما دعا بهذا الدعاء توفاه الله عز وجل . قيل كان عمره عند أن ألقى في الجب سبع عشرة سنة ، وكان في العبودية والسجن والملك ثمانين سنة إلى قدوم أبيه يعقوب عليه ، ثم عاش بعد اجتماع شملهم حتى كمل عمره المقدار الذي سيأتي وتوفاه الله . قيل لم يتمن الموت أحد غير يوسف لا نبي ولا غيره . وذهب الجمهور إلى أنه لم يتمن الموت بهذا الدعاء . وإنما دعا ربه أن يتوفاه على الإسلام ويلحقه بالصالحين من عباده عند حضور أجله . وقد أخرج أبو الشيخ عن أبي هريرة قال : دخل يعقوب مصر في ملك يوسف وهو ابن مائة وثلاثين سنة ، وعاش في ملكه ثلاثين سنة ، ومات يوسف وهو ابن مائة وعشرين سنة . قال أبو هريرة : وبلغني أنه كان عمر إبراهيم خليل الله مائة وخمسة وتسعين سنة . وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله ( آوى إليه أبويه ) قال : أبوه وأمه ضمهما . وأخرجا عن وهب قال أبوه وخالته . وكانت توفيت أم يوسف في نفاس أخيه بنيامين وأخرج أبو الشيخ نحوه عن سفيان بن عيينة . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ( ورفع أبويه على العرش ) قال : السرير . وأخرج ابن أبي حاتم عن عدي بن حاتم في قوله ( وخروا له سجدا ) قال : كانت تحية من كان قبلكم فأعطاكم الله السلام مكانها . وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة نحوه . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن زيد قال : ذلك سجود تشرفة كما سجدت الملائكة تشرفة لآدم . وليس سجود عبادة . وأخرج أبو الشيخ عن قتادة في قوله ( إن ربى لطيف لما يشاء ) قال : لطيف ليوسف وصنع له حين أخرجه من السجن . وجاء بأهله من البدو . ونزع من قلبه نزغ الشيطان وتحريشه على إخوته . وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : ما سأل نبي الوفاة غير يوسف . وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عنه قال : اشتاق إلى لقاء الله وأحب أن يلحق به وبآبائه ، فدعا الله أن يتوفاه ، وأن يلحقه بهم . وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك في قوله ( وألحقني بالصالحين ) قال : يعني إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب . وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة قال : يعني أهل الجنة . سورة يوسف الآية ( 102 - 103 ) 8 - فتح القدير - 3