الشوكاني

54

فتح القدير

لا تعذل المشتاق في أشواقه * حتى تكون حشاك في أحشائه وقيل المعنى : إنك لفي جنونك القديم ، وقيل في محبتك القديمة . قالوا له ذلك لأنه لم يكن قد بلغهم قدوم البشير ( فلما أن جاء البشير ) قال المفسرون البشير : هو يهوذا بن يعقوب قال لإخوته : أنا جئته بالقميص ملطخا بالدم ، فأعطني اليوم قميصك لأخبره أنك حي ، فأفرحه كما أحزنته ( ألقاه على وجهه ) أي ألقى البشير قميص يوسف على وجه يعقوب ، أو ألقاه يعقوب على وجه نفسه ( فارتد بصيرا ) الارتداد : انقلاب الشئ إلى حال قد كان عليها ، والمعنى : عاد ورجع إلى حالته الأولى من صحة بصره ( قال ألم أقل لكم ) أي قال يعقوب لمن كان عنده من أهله الذين قال لهم : إني لأجد ريح يوسف : ألم أقل لكم هذا القول فقلتم ما قلتم ، ويكون قوله ( إني أعلم من الله ما لا تعلمون ) كلاما مبتدأ لا يتعلق بالقول ، ويجوز أن تكون جملة ( إني أعلم من الله ما لا تعلمون ) مقول القول ، ويريد بذلك إخبارهم بما قاله لهم سابقا - إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون - ( قالوا يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين ) طلبوا منه أن يستغفر لهم ، واعترفوا بالذنب ، وفي الكلام حذف ، والتقدير : ولما رجعوا من مصر ووصلوا إلى أبيهم قالوا هذا القول ، فوعدهم بما طلبوه منه و ( قال سوف استغفر لكم ربى ) قال الزجاج : أراد يعقوب أن يستغفر لهم في وقت السحر ، لأنه أخلق بإجابة الدعاء ، لا أنه بخل عليهم بالاستغفار ، وقيل أخره إلى ليلة الجمعة ، وقيل أخره إلى أن يستحل لهم من يوسف ، ولم يعلم أنه قد عفا عنهم ، وجملة ( إنه هو الغفور الرحيم ) تعليل لما قبله . وقد أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة في قوله ( لا تثريب ) قال : لا تعيير ، وأخرج أبو الشيخ عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال : قال " لما فتح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مكة التفت إلى الناس فقال : ماذا تقولون وماذا تظنون ؟ فقالوا : ابن عم كريم ، فقال : لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم " وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس مرفوعا نحوه . وأخرج البيهقي في الدلائل عن أبي هريرة مرفوعا نحوه . وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عطاء الخراساني قال : طلب الحوائج إلى الشباب أسهل منها عند الشيوخ ، ألم تر إلى قول يوسف لا تثريب عليكم اليوم ؟ . وقال يعقوب ( سوف أستغفر لكم ربى ) . أقول : وفى هذا الكلام نظر فإنهم طلبوا من يوسف أن يعفو عنهم بقولهم : لقد آثرك الله علينا ، فقال : لا تثريب عليكم اليوم ، لأن مقصودهم صدور العفو منه عنهم ، وطلبوا من أبيهم يعقوب أن يستغفر الله لهم وهو لا يكون إلا بطلب ذلك منه إلى الله عز وجل ، وبين المقامين فرق ، فلم يكن وعد يعقوب لهم بخلا عليهم بسؤال الله لهم ، ولا سيما إذا صح ما تقدم من أنه أخر ذلك إلى وقت الإجابة . فإنه لو طلبه لهم في الحال لم يحصل له علم بالقبول وأخرج الحكيم الترمذي وأبو الشيخ عن وهب بن منبه قال : لما كان من أمر إخوة يوسف ما كان ، كتب يعقوب إلى يوسف وهو لا يعلم أنه يوسف : بسم الله الرحمن الرحيم ، من يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم إلى عزيز آل فرعون ، سلام عليك فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو ، أما بعد : فإنا أهل بيت مولع بنا أسباب البلاء . كان جدي إبراهيم خليل الله ألقى في النار في طاعة ربه . فجعلها الله عليه بردا وسلاما . وأمر الله جدي أن يذبح له أبي ففداه الله بما فداه ، وكان لي ابن وكان من أحب الناس إلي ففقدته ، فأذهب حزني عليه نور بصرى ، وكان له أخ من أمه كنت إذا ذكرته ضممته إلى صدري فأذهب عني بعض وجدي . وهو المحبوس عندك في السرقة . وإني أخبرك أنى لم أسرق ، ولم ألد سارقا ، فلما قرأ يوسف الكتاب بكى وصاح وقال ( اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبى يأت بصيرا ) وأخرج أبو الشيخ عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال في قوله ( اذهبوا