الشوكاني

496

فتح القدير

قدر على إحياء الموتى ( قل من رب السماوات ورب العرش العظيم . سيقولون لله ) جاء سبحانه باللام نظرا إلى معنى السؤال ، فإن قولك : من ربه ، ولمن هو في معنى واحد ، كقولك : من رب هذه الدار ؟ فيقال زيد ، ويقال لزيد . وقرأ أبو عمرو وأهل العراق - سيقولون الله " بغير لام نظرا إلى لفظ السؤال ، وهذه القراءة أوضح من قراءة الباقين باللام ، ولكنه يؤيد قراءة الجمهور أنها مكتوبة في جميع المصاحف باللام بدون ألف ، وهكذا قرأ الجمهور في قوله ( قل من بيده ملكوت كل شئ وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون سيقولون لله ) باللام نظرا إلى معنى السؤال كما سلف . وقرأ أبو عمرو وأهل العراق بغير لام نظرا إلى لفظ السؤال ، ومثل هذا قول الشاعر : إذا قيل من رب المزالف والقرى * ورب الجياد الجرد قيل لخالد أي لمن المزالف ، والملكوت الملك ، وزيادة التاء للمبالغة ، نحو جبروت ورهبوت ، ومعنى ( وهو يجير ) أنه يغيث غيره إذا شاء ويمنعه ( ولا يجار عليه ) أي لا يمنع أحد أحدا من عذاب الله ولا يقدر على نصره وإغاثته ، يقال أجرت فلانا : إذا استغاث بك فحميته ، وأجرت عليه : إذا حميت عنه ( قل فأنى تسحرون ) قال الفراء والزجاج : أي تصرفون عن الحق وتخدعون ، والمعنى : كيف يخيل لكم الحق باطلا والصحيح فاسدا ، والخادع لهم هو الشيطان أو الهوى أو كلاهما . ثم بين سبحانه أنه قد بالغ في الاحتجاج عليهم فقال ( بل أتيناهم بالحق ) أي الأمر الواضح الذي يحق اتباعه ( وإنهم لكاذبون ) فيما ينسبونه إلى الله سبحانه من الولد والشريك ، ثم نفاهما عن نفسه فقال ( ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله ) من في الموضعين زائدة لتأكيد النفي . ثم بين سبحانه ما يستلزمه ما يدعيه الكفار من إثبات الشريك ، فقال ( إذا لذهب كل إله بما خلق ) وفى الكلام حذف تقديره لو كان مع الله آلهة لا نفرد كل إله بخلقه واستبد به وامتاز ملكه عن ملك الأخر ، ووقع بينهم التطالب والتحارب والتغالب ( ولعلا بعضهم على بعض ) أي غلب القوي على الضعيف وقهره وأخذ ملكه كعادة الملوك من بني آدم ، وحينئذ فذلك الضعيف المغلوب لا يستحق أن يكون إلها ، وإذا تقرر عدم إمكان المشاركة في ذلك ، وأنه لا يقوم به إلا واحد تعين أن يكون هذا الواحد هو الله سبحانه ، وهذا الدليل كما دل على نفي الشريك فإنه يدل على نفي الولد ، لأن الولد ينازع أباه في ملكه . ثم نزه سبحانه نفسه فقال ( سبحان الله عما يصفون ) أي من الشريك والولد وإثبات ذلك لله عز وجل ( عالم الغيب والشهادة ) أي هو مختص بعلم الغيب والشهادة ، وأما غيره فهو وإن علم الشهادة لا يعلم الغيب . قرأ نافع وأبو بكر وحمزة والكسائي " عالم " بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف : أي هو عالم . وقرأ الباقون بالجر على أنه صفة لله أو بدل منه . وروى عن يعقوب أنه كان يخفض إذا وصل ويرفع إذا ابتدأ ( فتعالى ) الله ( عما يشركون ) معطوف على معنى ما تقدم كأنه قال : علم الغيب فتعالى ، كقولك : زيد شجاع فعظمت منزلته : أي شجع فعظمت ، أو يكون على إضمار القول : أي أقول فتعالى الله ، والمعنى : أنه سبحانه متعال عن أن يكون له شريك في الملك ( قل رب إما تريني ما يوعدون ) أي إن كان ولا بد أن تريني ما يوعدون من العذاب المستأصل لهم ( رب فلا تجعلني في القوم الظالمين ) أي قل يا رب فلا تجعلني . قال الزجاج : أي إن أنزلت بهم النقمة يا رب فاجعلني خارجا عنهم ، ومعنى كلامه هذا أن النداء معترض ، و " ما " في إما زائدة : أي قل رب إن تريني ، والجواب فلا تجعلني ، وذكر الرب مرتين مرة قبل الشرط : ومرة بعده مبالغة في التضرع . وأمره الله أن يسأله أن لا يجعله في القوم الظالمين مع أن الأنبياء لا يكونون مع القوم الظالمين أبدا ، تعليما له صلى الله عليه وآله وسلم من ربه كيف يتواضع ؟ وقيل يهضم نفسه ، أو لكون شؤم الكفر قد يلحق من لم يكن من أهله كقوله " واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة " ثم لما كان المشركون ينكرون العذاب ويسخرون من النبي صلى الله عليه وآله وسلم