الشوكاني

492

فتح القدير

سورة المؤمنون الآية ( 69 - 83 ) قوله ( أفلم يدبروا القول ) بين سبحانه أن سبب إقدامهم على الكفر هو أحد هذه الأمور الأربعة : الأول عدم التدبر في القرآن ، فإنهم لو تدبروا معانيه لظهر لهم صدقه وآمنوا به وبما فيه ، والهمزة للإنكار والفاء للعطف على مقدر : أي فعلوا ما فعلوا فلم يتدبروا ، والمراد بالقول القرآن ، ومثله " أفلا يتدبرون القرآن " . والثاني قوله ( أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين ) أم هي المنقطعة : أي بل أجاءهم من الكتاب ما لم يأت آباءهم الأولين ، فكان ذلك سببا لاستنكارهم للقرآن ، والمقصود تقرير أنه لم يأت آباءهم الأولين رسول ، فلذلك أنكروه ، ومثله قوله " لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم " وقيل إنه أتى آباءهم الأقدمين رسل أرسلهم الله إليهم . كما هي سنة الله سبحانه في إرسال الرسل إلى عباده ، فقد عرف هؤلاء ذلك ، فكيف كذبوا هذا القرآن . وقيل المعنى : أم جاءهم من الأمن من عذاب الله ما لم يأت آباءهم الأولين كإسماعيل ومن بعده . والثالث قوله ( أم لم يعرفوا رسولهم فهم له منكرون ) وفى هذا إضراب وانتقال من التوبيخ بما تقدم إلى التوبيخ بوجه آخر : أي بل ألم يعرفوه بالأمانة والصدق فأنكروه ، ومعلوم أنهم قد عرفوه بذلك . والرابع قوله ( أم يقولون به جنة ) وهذا أيضا انتقال من توبيخ إلى توبيخ : أي بل أتقولون به جنة : أي جنون ، مع أنهم قد عملوا أنه أرجح الناس عقلا ، ولكنه جاء بما يخالف هواهم فدفعوه وجحدوه تعصبا وحمية . ثم أضرب سبحانه عن ذلك كله فقال ( بل جاءهم بالحق ) أي ليس الأمر كما زعموا في حق القرآن والرسول ، بل جاءهم ملتبسا بالحق ، والحق هو الدين القويم ، ( وأكثرهم للحق كارهون ) لما جبلوا عليه من التعصب ، والانحراف عن الصواب ، والبعد عن الحق ، فلذلك كرهوا هذا الحق الواضح الظاهر ، وظاهر النظم أن أقلهم كانوا لا يكرهون الحق ، ولكنهم لم يظهروا الإيمان خوفا من الكارهين له ، وجملة ( ولو اتبع الحق