الشوكاني

490

فتح القدير

اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسني يوسف . وقيل المراد بالعذاب عذاب الآخرة ، ورجح هذا بأن ما يقع منهم من الجؤار إنما يكون عند عذاب الآخرة ، لأنه الاستغاثة بالله ولم يقع منهم ذلك يوم بدر ولا في سنى الجوع . ويجاب عنه بأن الجؤار في اللغة الصراخ والصياح . قال الجوهري : الجؤار مثل الخوار ، يقال جأر الثور يجأر : أي صاح ، وقد وقع منهم ومن أهلهم وأولادهم عند أن عذبوا بالسيف يوم بدر ، وبالجوع في سنى الجوع ، وليس الجؤار هاهنا مقيد بالجؤار الذي هو التضرع بالدعاء حتى يتم ما ذكره ذلك القائل ، وجملة ( إذا هم يجأرون ) جواب الشرط ، وإذا هي الفجائية ، والمعنى : حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب فاجئوا بالصراخ ، ثم أخبر سبحانه أنه يقال لهم حينئذ على جهة التبكيت ( لا تجأروا اليوم ) فالقول مضمر ، والجملة مسوقة لتبكيتهم وإقناطهم وقطع أطماعهم ، وخصص سبحانه المترفين مع أن العذاب لاحق بهم جميعا واقع على مترفيهم وغير مترفيهم لبيان أنهم بعد النعمة التي كانوا فيها صاروا على حالة تخالفها وتباينها ، فانتقلوا من النعيم التام إلى الشقاء الخالص ، وخص اليوم بالذكر للتهويل ، وجملة ( إنكم منا لا تنصرون ) تعليل للنهي عن الجؤار ، والمعنى : إنكم من عذابنا لا تمنعون ولا ينفعكم جزعكم . وقيل المعنى : إنكم لا يلحقكم من جهتنا نصرة تمنعكم مما دهمكم من العذاب . ثم عدد سبحانه عليهم قبائحهم توبيخا لهم فقال ( قد كانت آياتي تتلى عليكم ) أي في الدنيا ، وهى آيات القرآن ( فكنتم على أعقابكم تنكصون ) أي ترجعون وراءكم ، وأصل النكوص أن يرجع القهقري ، ومنه قول الشاعر : زعموا أنهم على سبل الحق * وأنا نكص على الأعقاب وهو هنا استعارة للإعراض عن الحق ، وقرأ علي بن أبي طالب " على أدباركم " بدل ( على أعقابكم تنكصون ) بضم الكاف ، وعلى أعقابكم متعلق بتنكصون ، عن أو متعلق بمحذوف وقع حالا من فاعل تنكصون ( مستكبرين به ) الضمير في به راجع إلى البيت العتيق ، وقيل للحرم ، والذي سوغ الإضمار قبل الذكر اشتهارهم بالاستكبار به وافتخارهم بولايته والقيام به ، وكانوا يقولون : لا يظهر علينا أحد لأنا أهل الحرم وخدامه . وإلى هذا ذهب جمهور المفسرين . وقيل الضمير عائد إلى القرآن . والمعنى : أن سماعه يحدث لهم كبرا وطغيانا فلا يؤمنون به . قال ابن عطية : وهذا قول جيد . وقال النحاس : القول الأول أولى وبينه بما ذكرنا . فعلى القول الأول يكون به متعلقا بمستكبرين ، وعلى الثاني يكون متعلقا ب‍ ( سامرا ) لأنهم كانوا يجتمعون حول البيت بالليل يسمرون ، وكان عامة سمرهم ذكر القرآن والطعن فيه ، والسامر كالحاضر في الاطلاق على الجمع . قال الواحدي : السامر الجماعة يسمرون بالليل . : أي يتحدثون ، ويجوز أن يتعلق " به " بقوله ( تهجرون ) والهجر بالفتح الهذيان : أي تهذون في شأن القرآن ، ويجوز أن يكون من الهجر بالضم ، وهو الفحش . وقرأ ابن مسعود وابن عباس وابن عمر وأبو حياة " سمرا " بضم السين وفتح الميم مشددة ، وقرأ زيد بن علي وأبو رجاء " سمارا " ورويت هذه القراءة عن ابن عباس ، وانتصاب سامرا على الحال إما من فاعل تنكصون ، أو من الضمير في مستكبرين ، وقيل هو مصدر جاء على لفظ الفاعل ، يقال قوم سامر ، ومنه قول الشاعر : كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا * أنيس ولم يسمر بمكة سامر قال الراغب : ويقال سامر وسمار ، وسمر وسامرون . قرأ الجمهور " تهجرون " بفتح التاء المثناة من فوق وضم الجيم . وقرأ نافع وابن محيصن بضم التاء وكسر الجيم من أهجر : أي أفحش في منطقه . وقرأ زيد بن علي وابن محيصن وأبو نهيك بضم التاء وفتح الهاء وكسر الجيم مشددة مضارع هجر بالتشديد . وقرأ ابن أبي عاصم كالجمهور إلا أنه بالياء التحتية ، وفيه التفات .