الشوكاني
479
فتح القدير
كونه دهنا يدهن به . وكونه صبغا يؤتدم به . قرأ الجمهور " صبغ " وقرأ قوم " صباغ " مثل لبس ولباس ، وكل إدام يؤتدم به فهو صبغ وصباغ ، وأصل الصبغ ما يلون به الثوب ، وشبه الإدام به لأن الخبز يكون بالإدام كالمصبوغ به ( وإن لكم في الأنعام لعبرة ) هذه من جملة النعم التي أمتن الله بها عليهم ، وقد تقدم تفسير الأنعام في سورة النحل . قال النيسابوري في تفسيره : ولعل القصد بالأنعام هنا إلى الإبل خاصة لأنها هي المحمول عليها في العادة ، ولأنه قرنها بالفلك وهى سفائن البر ، كما أن الفلك سفائن البحر . وبين سبحانه أنها عبرة ، لأنها مما يستدل بخلقها وأفعالها على عظيم القدرة الإلهية ، ثم فصل سبحانه ما في هذه الأنعام من النعم بعد ما ذكره من العبرة فيها للعباد فقال ( نسقيكم مما في بطونها ) يعنى سبحانه : اللبن المتكون في بطونها المنصب إلى ضروعها ، فإن في انعقاد ما تأكله من العلف واستحالته إلى هذا الغذاء اللذيذ ، والمشروب النفيس أعظم عبرة للمعتبرين ، وأكبر موعظة للمتعظين . قرئ " نسقيكم " بالنون على أن الفاعل هو الله سبحانه ، وقرئ بالتاء الفوقية على أن الفاعل هو الأنعام ، ثم ذكر ما فيها من المنافع إجمالا فقال ( ولكم فيها منافع كثيرة ) يعنى في ظهورها وألبانها وأولادها وأصوافها وأشعارها ، ثم ذكر منفعة خاصة فقال ( ومنها تأكلون ) لما في الأكل من عظيم الانتفاع لهم ، وكذلك ذكر الركوب عليها لما فيه من المنفعة العظيمة فقال ( وعليها وعلى الفلك تحملون ) أي وعلى الأنعام ، فإن أريد بالأنعام الإبل والبقر والغنم ، فالمراد وعلى بعض الأنعام ، وهى الإبل خاصة ، وإن أريد بالأنعام الإبل خاصة ، فالمعنى واضح . ثم لما كانت الأنعام هي غالب ما يكون الركوب عليه في البر ضم إليها ما يكون الركوب عليه في البحر ، فقال ( وعلى الفلك تحملون ) تميما للنعمة وتكميلا للمنة . وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : السلالة صفو الماء الرقيق الذي يكون منه الولد . وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال : إن النطفة إذا وقعت في الرحم طارت في شعر وظفر فتمكث أربعين يوما ، ثم تنحدر في الرحم فتكون علقة . وللتابعين في تفسير السلالة أقوال قد قدمنا الإشارة إليها . وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ( ثم أنشأناه خلقا آخر ) قال : الشعر والأسنان . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عنه ( ثم أنشأناه خلقا آخر ) قال : نفخ فيه الروح ، وكذا قال مجاهد وعكرمة والشعبي والحسن وأبو العالية والربيع بن أنس والسدي والضحاك وابن زيد ، واختاره ابن جرير . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ( ثم أنشأناه خلقا آخر ) قال : حين استوى به الشباب . وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن صالح أبى الخليل قال : لما نزلت هذه الآية على النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى قوله ( ثم أنشأناه خلقا آخر ) قال عمر ( فتبارك الله أحسن الخالقين ) قال : والذي نفسي بيده إنها ختمت بالذي تكلمت به يا عمر . وأخرج الطيالسي وابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عساكر عن أنس قال : قال عمر : وافقت ربي في أربع ، قلت : يا رسول الله لو صلينا خلف المقام ؟ فأنزل الله " واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى " وقلت : يا رسول الله لو اتخذت على نسائك حجابا فإنه يدخل عليك البر والفاجر ، فأنزل الله " وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب " وقلت لأزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم : لتنتهن أو ليبدلنه الله أزواجا خيرا منكن ، فنزلت - عسى ربه إن طلقكن - الآية ، ونزلت ( ولقد خلقنا الإنسان من سلالة ) إلى قوله ( ثم أنشأناه خلقا آخر ) فقلت أنا ( فتبارك الله أحسن الخالقين ) " . وأخرج ابن راهويه وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني في الأوسط وابن مردويه عن زيد بن ثابت قال : أملى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هذه الآية ( ولقد خلقنا الإنسان ) إلى قوله ( خلقا آخر ) فقال معاذ بن جبل ( فتبارك الله أحسن الخالقين ) فضحك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ،