الشوكاني

477

فتح القدير

فجاءت به عضب الأديم غضنفرا * سلالة فرج كان غير حصين وقول الآخر : وهل هند إلا مهرة عربية * سلالة أفراس تحللها بغل و " من " في ( من سلالة ) ابتدائية متعلقة بخلقنا ، وفى ( من طين ) بيانية متعلقة بمحذوف ، وقع صفة لسلالة : أي كائنة من طين ، والمعنى : أنه سبحانه خلق جوهر الإنسان أولا من طين ، لأن الأصل آدم ، وهو من طين خالص وأولاده من طين ومني . وقيل السلالة : الطين إذا عصرته انسل من بين أصابعك ، فالذي يخرج هو السلالة ، قاله الكلبي ( ثم جعلناه ) أي الجنس باعتبار أفراده الذين هم بنو آدم ، أو جعلنا نسله على حذف مضاف إن أريد بالإنسان آدم ( نطفة ) وقد تقدم تفسير النطفة في سورة الحج ، وكذلك تفسير العلقة والمضغة . والمراد بالقرآن المكين : الرحم ، وعبر عنها بالقرار الذي هو مصدر مبالغة ، ومعنى ( ثم خلقنا النطفة علقة ) أي أنه سبحانه أحال النطفة البيضاء علقة حمراء ( فخلقنا العلقة مضغة ) أي قطعة لحم غير مخلقة ( فخلقنا المضغة عظاما ) أي جعلها الله سبحانه متصلبة لتكون عمودا للبدن على أشكال مخصوصة ( فكسونا العظام لحما ) أي أنيت الله سبحانه على كل عظم لحما على المقدار الذي يليق به ويناسبه ( ثم أنشأناه خلقا آخر ) أي نفخنا فيه الروح بعد أن كان جمادا ، وقيل أخرجناه إلى الدنيا ، وقيل هو نبات الشعر ، وقيل خروج الأسنان ، وقيل تكميل القوى المخلوقة فيه ، ولا مانع من إرادة الجميع ، والمجئ بثم لكمال التفاوت بين الخلقين ( فتبارك الله أحسن الخالقين ) أي استحق التعظيم والثناء . وقيل مأخوذ من البركة : أي كثر خيره وبركته : والخلق في اللغة التقدير ، يقال خلقت الأديم : إذا قسته لتقطع منه شيئا ، فمعنى أحسن الخالقين : أتقن الصانعين المقدرين ، ومنه قول الشاعر : ولأنت تفرى ما خلقت وبعض * القوم يخلق ثم لا يفرى ( ثم إنكم بعد ذلك لميتون ) الإشارة بقوله " ذلك " إلى الأمور المتقدمة : أي ثم إنكم بعد تلك الأمور لميتون صائرون إلى الموت لا محالة ( ثم إنكم يوم القيامة تبعثون ) من قبوركم إلى المحشر للحساب والعقاب . واللام في ( ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق ) جواب لقسم محذوف ، والجملة مبتدأة مشتملة على بيان خلق ما يحتاجون إليه بعد بيان خلقهم ، والطرائق هي السماوات . قال الخليلي والفراء والزجاج ، سميت طرائق لأنه طورق بعضها فوق بعض كمطارقة النعل . قال أبو عبيدة : طارقت الشئ جعلت بعضه فوق بعض ، والعرب تسمي كل شئ فوق شئ طريقة . وقيل لأنها طرائق الملائكة ، وقيل لأنها طرائق الكواكب ( وما كنا عن الخلق غافلين ) المراد بالخلق هنا المخلوق : أي وما كنا عن هذه السبع الطرائق وحفظها عن أن تقع على الأرض بغافلين . وقال أكثر المفسرين : المراد الخلق كلهم بغافلين بل حفظنا السماوات عن أن تسقط ، وحفظنا من في الأرض أن تسقط السماء عليهم فتهلكهم أو تميد بهم الأرض ، أو يهلكون بسبب من الأسباب المستأصلة لهم ، ويجوز أن يراد نفي الغفلة عن القيام بمصالحهم وما يعيشون به ، ونفى الغفلة عن حفظهم ( وأنزلنا من السماء ماء ) هذا من جملة ما أمتن الله سبحانه به على خلقه ، والمراد بالماء ماء المطر ، فإن به حياة الأرض وما فيها من الحيوان ، ومن جملة ذلك ماء الأنهار النازلة من السماء والعيون . والآبار المستخرجة من الأرض ، فإن أصلها من ماء السماء . وقيل أراد سبحانه في هذه الآية الأنهار الأربعة : سيحان ، وجيحان ، والفرات ، والنيل ، ولا وجه لهذا التخصيص . وقيل المراد به الماء العذب ، ولا وجه لذلك أيضا فليس في الأرض ماء إلا وهو من السماء ، ومعنى ( بقدر ) بتقدير منا أو بمقدار يكون به صلاح الزرائع والثمار . فإنه لو كثر لكان به هلاك ذلك ، ومثله قوله سبحانه " وإن من شئ إلا عندنا خزائنه وما ننزله