الشوكاني
473
فتح القدير
تفسير سورة المؤمنون هي مكية بلا خلاف . قال القرطبي كلها مكية في قول الجميع ، وآياتها مائة وتسع عشرة آية وقد أخرج أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجة وغيرهم عن عبد الله بن السائب قال : صلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بمكة الصبح فاستفتح سورة المؤمنين ، حتى إذا جاء ذكر موسى وهارون ، أو ذكر عيسى أخذته سعلة فركع . وأخرج البيهقي من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال " لما خلق الله الجنة قال لها تكلمي ، فقالت : قد أفلح المؤمنون " . وأخرجه أيضا ابن عدي والحاكم . وأخرج الطبراني في السنة وابن مردويه من حديث ابن عباس مثله . وقد ورد في فضائل العشر الآيات من أول هذه السورة ما سيأتي قريبا . بسم الله الرحمن الرحيم سورة المؤمنون الآية ( 1 - 11 ) قوله ( قد أفلح المؤمنون ) قال الفراء : قد هاهنا يجوز أن تكون تأكيدا لفلاح المؤمنين ، ويجوز أن تكون تقريبا للماضي من الحال . لأن قد تقرب الماضي من الحال حتى تلحقه بحكمه ، ألا تراهم يقولون : قد قامت الصلاة قبل حال قيامها ، ويكون المعنى في الآية أن الفلاح قد حصل لهم ، وأنهم عليه في الحال ، والفلاح الظفر بالمراد والنجاة من المكروه ، وقيل البقاء في الخير ، وأفلح إذا دخل في الفلاح ، ويقال أفلحه : رسول إذا أصاره إلى الفلاح ، وقد تقدم بيان معنى الفلاح في أول البقرة . وقرأ طلحة بن مصرف " قد أفلح " بضم الهمزة وبناء الفعل للمفعول . وروى عنه أنه قرأ " أفلحوا المؤمنون " على الإبهام والتفسير ، أو على لغة أكلوني البراغيث . ثم وصف هؤلاء المؤمنين بقوله ( الذين هم في صلاتهم خاشعون ) وما عطف عليه ، والخشوع منهم من جعله من أفعال القلوب كالخوف والرهبة ، ومنهم من جعله من أفعال الجوارح كالسكون وترك الالتفات والعبث ، وهو في اللغة السكون والتواضع والخوف والتذلل . وقد اختلف الناس في الخشوع هل هو من فرائض الصلاة أو من فضائلها ؟ على قولين : قيل الصحيح الأول ، وقيل الثاني . وادعى عبد الواحد بن زيد إجماع العلماء على أنه ليس للعبد إلا ما عقل من صلاته ، حكاه النيسابوري