الشوكاني

471

فتح القدير

وقد اختلف العلماء في هذا الحرج الذي رفعه الله فقيل : هو ما أحله الله من النساء مثنى وثلاث ورباع وملك اليمين . وقيل المراد قصر الصلاة ، والإفطار للمسافر ، والصلاة بالإيماء على من لا يقدر على غيره ، وإسقاط الجهاد عن الأعرج والأعمى والمريض ، واغتفار الخطأ في تقديم الصيام وتأخيره لاختلاف الأهلة ، وكذا في الفطر والأضحى . وقيل المعنى : أنه سبحانه ما جعل عليهم حرجا بتكليف ما يشق عليهم ، ولكن كلفهم بما يقدرون عليه ، ورفع عنهم التكاليف التي فيها حرج ، فلم يتعبدهم بها كما تعبد بها بني إسرائيل . وقيل المراد بذلك أنه جعل لهم من الذنب مخرجا بفتح باب التوبة وقبول الاستغفار والتكفير فيما شرع فيه الكفارة والأرش ، أو القصاص في الجنايات ، ورد المال أو مثله أو قيمته في الغصب ونحوه . والظاهر أن الآية أعم من هذا كله ، فقد حط سبحانه ما فيه مشقة من التكاليف على عباده : إما بإسقاطها من الأصل وعدم التكليف بها كما كلف بها غيرهم ، أو بالتخفيف وتجويز العدول إلى بدل لا مشقة فيه ، أو بمشروعية التخلص عن الذنب بالوجه الذي شرعه الله ، وما أنفع هذه الآية وأجل موقعها وأعظم فائدتها ، ومثلها قوله سبحانه " فاتقوا الله ما استطعتم " وقوله " يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر " وقوله " ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به " وفى الحديث الصحيح أنه سبحانه قال : قد فعلت كما سبق بيانه في تفسير هذه الآية ، والأحاديث في هذا كثيرة ، وانتصاب ملة في ( ملة أبيكم إبراهيم ) على المصدرية بفعل دل عليه ما قبله : أي وسع عليكم دينكم توسعة ملة أبيكم إبراهيم . وقال الزجاج : المعنى اتبعوا ملة أبيكم إبراهيم . وقال الفراء : انتصب على تقدير حذف الكاف : أي كملة . وقيل التقدير : وافعلوا الخير كفعل أبيكم إبراهيم ، فأقام الملة مقام الفعل ، وقيل على الإغراء ، وقيل على الاختصاص ، وإنما جعله سبحانه أباهم لأنه أبو العرب قاطبة ، ولأن له عند غير العرب الذين لم يكونوا من ذريته حرمة عظيمة كحرمة الأب على الابن لكونه أبا لنبيهم صلى الله عليه وآله وسلم ( هو سماكم المسلمين من قبل ) أي في الكتب المتقدمة ( وفى هذا ) أي القرآن ، والضمير لله سبحانه ، وقيل راجع إلى إبراهيم . والمعنى هو : أي إبراهيم سماكم المسلمين من قبل النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وفى هذا : أي في حكمه أن من اتبع محمدا فهو مسلم . قال النحاس : وهذا القول مخالف لقول علماء الأمة . ثم علل سبحانه ذلك بقوله ( ليكون الرسول شهيدا عليكم ) أي بتبليغه إليكم ( وتكونوا شهداء على الناس ) أن رسلهم قد بلغتهم ، وقد تقدم ببيان معنى هذه الآية في البقرة . ثم أمرهم بما هو أعظم الأركان الإسلامية فقال ( فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ) وتخصيص الخصلتين بالذكر لمزيد شرفهما ( واعتصموا بالله ) أي اجعلوه عصمة لكم مما تحذرون ، والتجئوا إليه في جميع أموركم ، ولا تطلبوا ذلك لا منه ( هو مولاكم ) أي ناصركم ومتولي أموركم دقيقها وجليلها ( فنعم المولى ونعم النصير ) أي لا مماثل له في الولاية لأموركم والنصرة على أعدائكم ، وقيل المراد بقوله اعتصموا بالله : تمسكوا بدين الله ، وقيل ثقوا به تعالى . وقد أخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله ( يا أيها الناس ضرب مثل ) قال : نزلت في صنم . وأخرج ابن جرير وابن المنذر عنه ( ضعف الطالب والمطلوب ) قال : الطالب آلهتهم ، والمطلوب الذباب . وأخرج عبد ابن حميد وابن المنذر عن عكرمة في قوله ( لا يستنقذوه منه ) قال : لا تستنقذ الأصنام ذلك الشئ من الذباب . وأخرج الحاكم وصححه عنه أيضا قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " إن الله اصطفى موسى بالكلام ، وإبراهيم بالخلة " وأخرج أيضا عن أنس وصححه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال " موسى بن عمران صفي الله " . وأخرج ابن مردويه عن عبد الرحمن بن عوف قال : قال لي عمر : ألسنا كنا نقرأ فيما نقرأ : وجاهدوا في الله