الشوكاني

468

فتح القدير

لا يستخفنك ولا يغلبنك على دينك . وقرأ الباقون " ينازعنك " من المنازعة ( وادع إلى ربك ) أي وادع هؤلاء المنازعين أو ادع الناس على العموم إلى دين الله وتوحيده والإيمان به ( إنك لعلى هدى مستقيم ) أي طريق مستقيم لا اعوجاج فيه ( وإن جادلوك ) أي وإن أبوا إلا الجدال بعد البيان لهم وظهور الحجة عليهم ( فقل الله أعلم بما تعملون ) أي فكل أمرهم إلى الله وقل لهم هذا القول المشتمل على الوعيد ( الله يحكم بينكم ) أي بين المسلمين والكافرين ( يوم القيامة فيما كنتم فيه تختلفون ) من أمر الدين فيتبين حينئذ الحق من الباطل ، وفى هذه الآية تعليم لهذه الأمة بما ينبغي لهم أن يجيبوا به من أراد الجدال بالباطل ، وقيل إنها منسوخة بآية السيف ، وجملة ( ألم تعلم ) مستأنفة مقررة لمضمون ما قبلها ، والاستفهام للتقرير : أي قد علمت يا محمد وتيقنت ( أن الله يعلم ما في السماوات والأرض ) ومن جملة ذلك ما أنتم فيه مختلفون ( إن ذلك ) الذي في السماء والأرض من معلوماته ( في كتاب ) أي مكتوب عنده في أم الكتاب ( إن ذلك على الله يسير ) أي إن الحكم منه سبحانه بين عباده فيما يختلفون فيه يسير عليه غير عسير ، أو إن إحاطة علمه بما في السماء والأرض يسير عليه ( ويعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطانا ) هذا حكاية لبعض فضائحهم : أي إنهم يعبدون أصناما لم يتمسكوا في عبادتها بحجة نيرة من الله سبحانه ( وما ليس لهم به علم ) من دليل عقل يدل على جواز ذلك بوجه من الوجوه ( وما للظالمين من نصير ) ينصرهم ويدفع عنهم عذاب الله ، وقد تقدم الكلام على هذه الآية في آل عمران ، وجملة ( وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات ) معطوفة على يعبدون ، وانتصاب بينات على الحال : أي حال كونها واضحات ظاهرات الدلالة ( تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر ) أي الأمر الذي ينكر ، وهو غضبهم وعبوسهم عند سماعها ، أو المراد بالمنكر الإنكار : أي تعرف في وجوههم إنكارها : وقيل هو التجبر والترفع ، وجملة ( يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم آياتنا ) مستأنفة جواب سؤال مقدر كأنه قيل ما ذلك المنكر الذي يعرف في وجوههم ؟ فقيل يكادون يسطون : أي يبطشون ، والسطوة شدة البطش ، يقال سطا به يسطو إذا بطش به بضرب ، أو شتم ، أو أخذ باليد ، وأصل السطو القهر . وهكذا ترى أهل البدع المضلة إذا سمع الواحد منهم ما يتلوه العالم عليهم من آيات الكتاب العزيز ، أو من السنة الصحيحة مخالفا لما اعتقده من الباطل والضلالة رأيت في وجهه من المنكر ما لو تمكن من أن يسطو بذلك العالم لفعل به ما لا يفعله بالمشركين ، وقد رأينا وسمعنا من أهل البدع ما لا يحيط به الوصف ، والله ناصر الحق ومظهر الدين وداحض الباطل ودامغ البدع وحافظ المتكلمين بما أخذه عليهم المبينين للناس ما نزل إليهم ، وهو حسبنا ونعم الوكيل ، ثم أمر رسوله أن يرد عليهم ، فقال ( قل أفأنبئكم ) أي أخبركم ( بشر من ذلكم ) الذي فيكم من الغيظ على من يتلو عليكم آيات الله ومقاربتكم للوثوب عليهم ، وهو النار التي أعدها الله لكم ، فالنار مرتفعة على أنها خبر لمبتدأ محذوف ، والجملة جواب سؤال مقدر كأنه قيل : ما هذا الأمر الذي هو شر مما نكابده ونناهده عند سماعنا ما تتلوه علينا ، فقال هو ( النار وعدها الله الذين كفروا ) وقيل إن النار مبتدأ وخبره جملة وعدها الله الذين كفروا ، وقيل المعنى : أفأخبركم بشر مما يلحق تالي القرآن منكم من الأذى والتوعد لهم والتوثب عليهم ، وقرئ النار بالنصب على تقدير أعني ، وقرئ بالجر بدلا من شر ( وبئس المصير ) أي الموضع الذي تصيرون إليه ، وهو النار . وقد أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ( هم ناسكوه ) قال : يعني هم ذابحوه ( فلا ينازعنك في الأمر ) يعني في أمر الذبح . وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة نحوه . وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد نحوه أيضا . وأخرج ابن المنذر عن مجاهد قال ( فلا ينازعنك في الأمر ) قول أهل الشرك : أما ما ذبح الله بيمينه فلا تأكلوه ، وأما ما ذبحتم بأيديكم فهو حلال . وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس