الشوكاني
465
فتح القدير
ثان أو مصدر ميمي مؤكد للفعل المذكور ، وقد مضى الكلام على مثل هذا في سورة سبحان ، وفى هذا من الامتنان عليهم والتبشير لهم ما لا يقادر قدره ، فإن المدخل الذي يرضونه هو الأوفق لنفوسهم والأقرب إلى مطلبهم ، على أنهم يرون في الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ، وذلك هو الذي يرضونه وفوق الرضا ( وإن الله لعليم ) بدرجات العاملين ومراتب استحقاقهم ( حليم ) عن تفريط المفرطين منهم لا يعاجلهم بالعقوبة ، والإشارة بقوله ( ذلك ) إلى ما تقدم . قال الزجاج : أي الأمر ما قصصنا عليكم من إنجاز الوعد للمهاجرين خاصة إذا قتلوا أو ماتوا ، فهو على هذا خبر مبتدأ محذوف ، ومعنى ( ومن عاقب بمثل ما عوقب به ) من جازى الظالم بمثل ما ظلمه ، وسمى الابتداء باسم الجزاء مشاكلة كقوله تعالى - وجزاء سيئة سيئة مثلها - وقوله تعالى - فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم والعقوبة في الأصل إنما تكون بعد فعل تكون جزاء عنه ، والمراد بالمثلية أنه اقتصر على المقدار الذي ظلم به ولم يزد عليه ، ومعنى ( ثم بغى عليه ) أن الظالم له في الابتداء عاوده بالمظلمة بعد تلك المظلمة الأولى ، قيل المراد بهذا البغي : هو ما وقع من المشركين من إزعاج المسلمين من أوطانهم بعد أن كذبوا نبيهم وآذوا من آمن به ، واللام في ( لينصرنه الله ) جواب قسم محذوف : أي لينصرن الله المبغى عليه على الباغي ( إن الله لعفو غفور ) أي كثير العفو والغفران للمؤمنين فيما وقع منهم من الذنوب . وقيل العفو والغفران لما وقع من المؤمنين من ترجيح الانتقام على العفو ، وقيل إن معنى ( ثم بغى عليه ) أي ثم كان المجازى مبغيا عليه : أي مظلوما ، ومعنى ثم تفاوت الرتبة ، لأن الابتداء بالقتال معه نوع ظلم كما قيل في أمثال العرب : البادي أظلم . وقيل إن هذه الآية مدنية ، وهى في القصاص والجراحات ، والإشارة بقوله ( ذلك بأن الله يولج الليل في النهار ) إلى ما تقدم من نصر الله سبحانه للمبغي عليه ، وهو مبتدأ وخبره جملة بأن الله يولج ، والباء للسببية : أي ذلك بسبب أنه سبحانه قادر ، ومن كمال قدرته إيلاج الليل في النهار والنهار في الليل ، وعبر عن الزيادة بالإيلاج ، لأن زيادة أحدهما تستلزم نقصان الآخر ، والمراد تحصيل أحد العرضين في محل الآخر . وقد مضى في آل عمران معنى هذا الإيلاج ( وأن الله سميع ) يسمع كل مسموع ( بصير ) يبصر كل مبصر ، أو سميع للأقوال مبصر للأفعال ، فلا يعزب عنه مثقال ذرة ، والإشارة بقوله ( ذلك بأن الله هو الحق ) إلى ما تقدم من اتصافه سبحانه بكمال القدرة الباهرة والعلم التام : أي هو سبحانه ذو الحق ، فدينه حق ، وعبادته حق ونصره لأوليائه على أعدائه حق ، ووعده حق ، فهو عز وجل في نفسه وأفعاله وصفاته حق ( وأن ما تدعون من دونه هو الباطل ) قرأ نافع وابن كثير وابن عامر وشعبة تدعون بالفوقية على الخطاب للمشركين ، واختار هذه القراءة أبو حاتم . وقرأ الباقون بالتحتية على الخبر ، واختار هذه القراءة أبو عبيدة . والمعنى : إن الذين تدعونه إلها ، وهى الأصنام هو الباطل الذي لا ثبوت له ولا لكونه إلها ( وأن الله هو العلى ) أي العالي على كل شئ بقدرته المتقدس على الأشباه والأنداد المتنزه عما يقول الظالمون من الصفات ( الكبير ) أي ذو الكبرياء ، وهو عبارة عن كمال ذاته وتفرده بالإلهية ، ثم ذكر سبحانه دليلا بينا على كمال قدرته ، فقال ( ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة ) الاستفهام للتقرير ، والفاء للعطف على أنزل ، وارتفع الفعل بعد الفاء لكون استفهام التقرير بمنزلة الخبر كما قاله الخليل وسيبويه . قال الخليل : المعنى أنزل من السماء ماء فكان كذا وكذا ، كما قال الشاعر : ألم تسأل الربع القواء فينطق * وهل يخبرنك اليوم بيداء سملق معناه : قد سألته فنطق . قال الفراء : ألم تر خبر كما تقول في الكلام : إن الله ينزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة : أي ذات خضرة كما تقول مبقلة ومسبعة : أي ذوات بقل وسباع ، وهو عبارة عن استعجالها