الشوكاني
451
فتح القدير
سورة الحج الآية ( 31 - 35 ) . محل ( ذلك ) الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف : أي الأمر ذلك ، أو مبتدأ خبره محذوف أو في محل نصب بفعل محذوف : أي افعلوا ذلك ، والمشار إليه هو ما سبق من أعمال الحج ، وهذا وأمثاله يطلق للفصل بين الكلامين أو بين طرفي كلام واحد ، والحرمات جمع حرمة . قال الزجاج : الحرمة ما وجب القيام به وحرم التفريط فيه ، وهى في هذه الآية ما نهى عنها ومنع من الوقوع فيها . والظاهر من الآية عموم كل حرمة في الحج وغيره كما يفيده اللفظ وإن كان السبب خاصا ، وتعظيمها ترك ملابستها ( فهو خير له ) أي فالتعظيم خير له ( عند ربه ) يعنى في الآخرة من التهاون بشئ منها . وقيل إن صيغة التفضيل هنا لا يراد بها معناها الحقيقي ، بل المراد أن ذلك التعظيم خير ينتفع به ، فهي عدة بخير ( وأحلت لكم الأنعام ) وهى الإبل والبقر والغنم ( إلا ما يتلى عليكم ) أي في الكتاب العزيز من المحرمات ، وهى الميتة وما ذكر معها في سورة المائدة . وقيل في قوله " إلا ما يتلى عليكم غير محلى الصيد وأنتم حرم " ( فاجتنبوا الرجس من الأوثان ) الرجس : القذر ، والوثن : التمثال ، وأصله من وثن الشئ : أي أقام في مقامه ، وسمى الصليب وثنا لأنه ينصب ويركز في مقامه ، فلا يبرح عنه والمراد اجتناب عبادة الأوثان ، وسماها رجسا لأنها سبب الرجس وهو العذاب . وقيل جعلها سبحانه رجسا حكما ، والرجس النجس ، وليست النجاسة وصفا ذاتيا لها ولكنها وصف شرعي ، فلا تزول إلا بالإيمان كما أنها لا تزول النجاسة الحسية إلا بالماء . قال الزجاج : من هنا لتخليص جنس من أجناس : أي فاجتنبوا الرجس الذي هو وثن ( واجتنبوا قول الزور ) الذي هو الباطل ، وسمى زورا لأنه مائل عن الحق ، ومنه قوله تعالى " تزاور عن كهفهم " وقولهم مدينة زوراء : أي مائلة ، والمراد هنا قول الزور على العموم ، وأعظمه الشرك بالله بأي لفظ كان . وقال الزجاج : المراد بقول الزور ها هنا تحليلهم بعض الأنعام وتحريمهم بعضها ، وقولهم " هذا حلال وهذا حرام " ، وقيل المراد به شهادة لزور ، وانتصاب ( حنفاء ) على الحال : أي مستقيمين على الحق ، أو مائلين إلى الحق . ولفظ حنفاء من الأضداد يقع على الاستقامة ، ويقع على الميل ، وقيل معناه حجاجا ، ولا وجه لهذا ( غير مشركين به ) هو حال كالأول : أي غير مشركين به شيئا من الأشياء كما يفيده الحذف من العموم ، وجملة ( ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء ) مبتدأة مؤكدة لما قبلها من الأمر بالاجتناب ، ومعنى خر من السماء : سقط إلى الأرض : أي انحط من رفيع الإيمان إلى حضيض الكفر ( فتخطفه الطير ) ، يقال خطفه يخطفه إذا سلبه ، ومنه قوله - يخطف أبصارهم - أي تخطف لحمه وتقطعه بمخالبها . قرأ أبو جعفر ونافع بتشديد الطاء وفتح الخاء ، وقرئ بكسر الخاء والطاء وبكسر