الشوكاني

444

فتح القدير

والوليد بن عتبة . وقد كان أبو ذر رضي الله عنه يقسم أن هذه الآية نزلت في هؤلاء المتبارزين كما ثبت عنه في الصحيح ، وقال بمثل هذا جماعة من الصحابة ، وهم أعرف من غيرهم بأسباب النزول . وقد ثبت في الصحيح أيضا عن علي أنه قال : فينا نزلت هذه الآية . وقرأ ابن كثير " هذان " بتشديد النون ، وقال سبحانه ( اختصموا ) ولم يقل اختصما . قال الفراء : لأنهم جمع ، ولو قال اختصما لجاز ، ومعنى ( في ربهم ) في شأن ربهم : أي في دينه ، أو في ذاته ، أو في صفاته ، أو في شريعته لعباده ، أو في جميع ذلك ، ثم فصل سبحانه ما أجمله في قوله - يفصل بينهم - فقال ( فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار ) قال الأزهري : أي سويت وجعلت لبوسا لهم ، شبهت النار بالثياب لأنها مشتملة عليهم كاشتمال الثياب ، وعبر بالماضي عن المستقبل تنبيها على تحقق وقوعه . وقيل إن هذه الثياب من نحاس قد أذيب فصار كالنار ، وهى السرابيل المذكورة في آية أخرى . وقيل المعنى في الآية : أحاطت النار بهم . وقرئ " قطعت " بالتخفيف ثم قال سبحانه ( يصب من فوق رؤوسهم الحميم ) والحميم هو الماء الحار المغلي بنار جهنم ، والجملة مستأنفة أو هي خبر ثان للموصول ( يصهر به ما في بطونهم ) الصهر الإذابة ، والصهارة ما ذاب منه ، يقال صهرت الشئ فانصهر : أي أذبته فذاب فهو صهير ، والمعنى : أنه يذاب بذلك الحميم ما في بطونهم من الأمعاء والأحشاء ( والجلود ) معطوفة على ما : أي ويصهر به الجلود ، والجملة في محل نصب على الحال ، وقيل إن الجلود لا تذاب ، بل تحرق ، فيقدر فعل يناسب ذلك ، ويقال وتحرق به الجلود كما في قول الشاعر : * علفتها تبنا وماء باردا * أي وسقيتها ماء ، ولا يخفى أنه لا ملجئ لهذا ، فإن الحميم إذا كان يذيب ما في البطون فإذا بته للجلد الظاهر بالأولى ( ولهم مقامع من حديد ) المقامع جمع مقمعة ومقمع قمعته ضربته بالمقمعة ، وهى قطعة من حديد . والمعنى : لهم مقامع من حديد يضربون بها : أي للكفرة ، وسميت المقامع مقامع لأنها تقمع المضروب : أي تذلله . قال ابن السكيت : أقمعت الرجل عنى إقماعا : إذا اطلع عليك فرددته عنك ( كلما أرادوا أن يخرجوا منها ) أي من النار ( أعيذوا فيها ) أي في النار بالضرب بالمقامع ، و ( من غم ) بدل من الضمير في منها بإعادة الجار أو مفعول له : أي لأجل غم شديد من غموم النار ( وذوقوا عذاب الحريق ) هو بتقدير القول : أي أعيدوا فيها ، وقيل لهم ذوقوا عذاب الحريق : أي العذاب المحرق ، وأصل الحريق الاسم من الاحتراق ، تحرق الشئ بالنار واحترق حرقة واحتراقا ، والذوق مماسة يحصل معها إدراك الطعم ، وهو هنا توسع ، والمراد به إدراك الألم . قال الزجاج : وهذا لأحد الخصمين . وقال في الخصم الآخر وهم المؤمنون ( إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجرى من تحتها الأنهار ) فبين سبحانه حال المؤمنين بعد بيانه لحال الكافرين . ثم بين الله سبحانه بعض ما أعده لهم من النعيم بعد دخولهم الجنة فقال ( يحلون فيها ) قرأ الجمهور يحلون بالتشديد والبناء للمفعول ، وقرئ مخففا : أي يحليهم الله أو الملائكة بأمره . ومن في قوله ( من أساور ) للتبعيض : أي يحلون بعض أساور ، أو للبيان ، أو زائدة ، ومن في ( من ذهب ) للبيان ، والأساور جمع أسورة والأسورة جمع سوار ، وفى السوار لغتان : كسر السين وضمها ، وفيه لغة ثالثة ، وهى أسوار . قرأ نافع وابن كثير وعاصم وشيبة ( ولؤلؤا ) بالنصب عطف على محل أساور : أي ويحلون لؤلؤا ، أو بفعل مقدر ينصبه ، وهكذا قرأ بالنصب يعقوب والجحدري وعيسى بن عمر ، وهذه القراءة هي الموافقة لرسم المصحف فإن هذا الحرف مكتوب فيه بالألف ، وقرأ الباقون بالجر عطفا على أساور : أي يحلون من أساور ومن لؤلؤ ، واللؤلؤ ما يستخرج من البحر من جوف الصدف . قال القشيري : والمراد ترصيع السوار باللؤلؤ ، ولا يبعد أن يكون في الجنة سوار من لؤلؤ مصمت كما أن فيها أساور من ذهب ( ولباسهم فيها حرير ) أي جميع ما يلبسونه حرير كما تفيده هذه الإضافة ،