الشوكاني

441

فتح القدير

وعلى هذا يوقف على يدعو ، ويكون قوله " لمن ضره أقرب من نفعه " كلاما مستأنفا مرفوعا بالابتداء ، وخبره لبئس المولى . قال : وهذا لأن اللام لليمين والتوكيد فجعلها أول الكلام . وقال الزجاج والفراء : يجوز أن يكون يدعو مكررة على ما قبلها على جهة تكثير هذا الفعل الذي هو الدعاء : أي يدعو ما لا يضره ولا ينفعه يدعو مثل ضربت زيدا ضربت . وقال الفراء والكسائي والزجاج : معنى الكلام القسم ، واللام مقدمة على موضعها ، والتقدير : يدعو من لضره أقرب من نفعه ، فمن في موضع نصب بيدعو ، واللام جواب القسم وضره مبتدأ ، وأقرب خبره ، ومن التصرف في اللام بالتقديم والتأخير قول الشاعر : خالي لأنت ومن جرير خاله * ينل العلاء ويكرم الأخوالا أي لخالي أنت . قال النحاس : وحكى لنا علي بن سليمان عن محمد بن يزيد قال : في الكلام حذف ، والمعنى : يدعو لمن ضره أقرب من نفعه إلها . قال النحاس : وأحسب هذا القول غلطا عن محمد بن يزيد ، ولعل وجهه أن ما قبل اللام هذه لا يعمل فيما بعدها . وقال الفراء أيضا والقفال اللام صلة : أي زائدة ، والمعنى : يدعو من ضره أقرب من نفعه : أي يعبده ، وهكذا في قراءة عبد الله بن مسعود بحذف اللام في " لبئس المولى " وفى " لبئس العشير " على هذا موطئة للقسم ( إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجرى من تحتها الأنهار ) لما فرغ من ذكر حال المشركين ، ومن يعبد الله على حرف ذكر حال المؤمنين في الآخرة ، وأخبر أنه يدخلهم هذه الجنات المتصفة بهذه الصفة ، وقد تقدم الكلام في جرى الأنهار من تحت الجنات ، وبينا أنه إن أريد بها الأشجار المتكاثفة الساترة لما تحتها ، فجريان الأنهار من تحتها ظاهر ، وإن أريد بها الأرض فلا بد من تقدير مضاف : أي من تحت أشجارها ( إن الله يفعل ما يريد ) هذه الجملة تعليل لما قبلها : أي يفعل ما يريده من الأفعال " لا يسأل عما يفعل " فيثيب من يشاء ويعذب من يشاء ( من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة ) قال النحاس : من أحسن ما قيل في هذه الآية أن المعنى من كان يظن أن لن ينصر الله محمدا صلى الله عليه وآله وسلم وأنه يتهيأ له أن يقطع النصر الذي أوتيه ( فليمدد بسبب إلى السماء ) أي فليطلب حيلة يصل بها إلى السماء ( ثم ليقطع ) أي ثم ليقطع النصر إن تهيأ له ( فلينظر هل يذهبن كيده ) وحيلته ( ما يغيظ ) من نصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وقيل المعنى : من كان يظن أن لن ينصر الله محمدا حتى يظهره على الدين كله فليمت غيظا ، ثم فسره بقوله ( فليمدد بسبب إلى السماء ) أي فليشدد حبلا في سقف بيته ( ثم ليقطع ) أي ثم ليمد الحبل حتى ينقطع فيموت مختنقا ، والمعنى : فليختنق غيظا حتى يموت ، فإن الله ناصره ومظهره ، ولا ينفعه غيظه ، ومعنى فلينظر هل يذهبن كيده : أي صنيعه وحيلته ما يغيظ : أي غيظه ، وما مصدرية . وقيل إن الضمير في ينصره يعود إلى من ، والمعنى : من كان يظن أن الله لا يرزقه فليقتل نفسه ، وبه قال أبو عبيدة . وقيل إن الضمير يعود إلى الدين : أي من كان يظن أن لن ينصر الله دينه . وقرأ الكوفيون بإسكان اللام في - ثم ليقطع - قال النحاس : وهذه القراءة بعيدة من العربية ( وكذلك أنزلناه آيات بينات ) أي مثل ذلك الإنزال البديع أنزلناه آيات واضحات ظاهرة الدلالة على مدلولاتها ( وأن الله يهدى من يريد ) هدايته ابتداء أو زيادة فيها لمن كان مهديا من قبل . وقد أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله ( ثاني عطفه ) قال : لاوي عنقه . وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس والسدي وابن يزيد وابن جريج أنه المعرض . وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم في قوله ( ثاني عطفه ) قال : أنزلت في النضر بن الحارث . وأخرج