الشوكاني

435

فتح القدير

سورة الحج الآية ( 5 - 7 ) لما انجر الكلام في خاتمة السورة المتقدمة إلى ذكر الإعادة وما قبلها وما بعدها ، بدأ سبحانه في هذه السورة بذكر القيامة وأهوالها حثا على التقوى التي هي أنفع زاد فقال ( يا أيها الناس اتقوا ربكم ) أي احذروا عقابه بفعل ما أمركم به من الواجبات وترك ما نهاكم عنه من المحرمات ، ولفظ الناس يشمل جميع المكلفين من الموجودين ومن سيوجد على ما تقرر في موضعه ، وقد قدمنا طرفا من تحقيق ذلك في سورة البقرة ، وجملة ( إن زلزلة الساعة شئ عظيم ) تعليل لما قبلها من الأمر بالتقوى ، والزلزلة شدة الحركة ، وأصلها من زل عن الموضع : أي زال عنه وتحرك ، وزلزل الله قدمه : أي حركها ، وتكرير الحرف يدل على تأكيد المعنى ، وهو من إضافة المصدر إلى فاعله ، وهى على هذا الزلزلة التي هي أحد أشراط الساعة التي تكون في الدنيا قبل يوم القيامة ، هذا قول الجمهور ، وقيل إنها تكون في النصف من شهر رمضان ، ومن بعدها طلوع الشمس من مغربها ، وقيل إن المصدر هنا مضاف إلى الظرف ، وهو الساعة إجراء له مجرى المفعول ، أو بتقدير في كما في قوله - بل مكر الليل والنهار - وهى المذكورة في قوله - إذا زلزلت الأرض زلزالها - قيل وفى التعبير عنها بالشئ إيذان بأن العقول قاصرة عن إدراك كنهها ( يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت ) انتصاب الظرف بما بعده ، والضمير يرجع إلى الزلزلة : أي وقت رؤيتكم لها تذهل كل ذات رضاع عن رضيعها وتغفل عنه . قال قطرب : تذهل تشتغل ، وأنشد قول الشاعر : ضرب يزيل الهام عن مقيله * ويذهل الخليل عن خليله وقيل تنسى ، وقيل تلهو ، وقيل تسلو ، وهذه معانيها متقاربة . قال المبرد : إن " ما " فيما أرضعت بمعنى المصدر : أي تذهل عن الإرضاع ، قال : وهذا يدل على أن هذه الزلزلة في الدنيا ، إذ ليس بعد القيامة حمل وإرضاع ، إلا أن يقال : من ماتت حاملا فتضع حملها للهول ، ومن ماتت مرضعة بعثت كذلك ، ويقال هذا مثل كما يقال - يوما يجعل الولدان شيبا - وقيل يكون مع النفخة الأولى ، قال : ويحتمل أن تكون الساعة عبارة عن أهوال يوم القيامة ، كما في قوله - مستهم البأساء والضراء وزلزلوا - ومعنى ( وتضع كل ذات حمل حملها ) أنها تلقى جنينها لغير تمام من شدة الهول ، كما أن المرضعة تترك ولدها بغير رضاع لذلك ( وترى الناس سكارى ) قرأ الجمهور بفتح التاء والراء خطاب لكل واحد : أي يراهم الرائي كأنهم سكارى ( وما هم بسكارى ) حقيقة ، قرأ حمزة والكسائي " سكرى " بغير ألف ، وقرأ الباقون بإثباتها وهما لغتان يجمع بهما سكران ، مثل كسلى وكسالى ، ولما نفى سبحانه عنهم السكر أوضح السبب الذي لأجله شابهوا السكارى فقال ( ولكن عذاب الله شديد ) فبسبب هذه الشدة والهول العظيم طاشت عقولهم ، واضطربت أفهامهم فصاروا كالسكارى ، بجامع سلب كمال التمييز وصحة الإدراك وقرئ " وترى " بضم التاء وفتح الراء مسندا إلى المخاطب من أرأيتك : أي تظنهم سكارى . قال الفراء ولهذه القراءة وجه جيد في العربية ، ثم لما أراد سبحانه أن يحتج على منكري البعث قدم قبل ذلك مقدمة تشمل أهل الجدال كلهم فقال ( ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ) وقد تقدم إعراب مثل هذا التركيب في قوله - ومن الناس من يقول - ومعنى " في الله " في شأن الله وقدرته ، ومحل " بغير علم " النصب على الحال . والمعنى : أنه يخاصم في قدرة الله