الشوكاني
414
فتح القدير
يرجعون وهو بعيد جدا قالوا من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين في الكلام حذف والتقدير فلما رجعوا من عيدهم ورأوا ما حدث بآلهتهم قالوا هذه المقالة والاستفهام للتوبيخ وقيل إن من ليست استفهامية بل هي مبتدأ وخبرها إنه لمن الظالمين أي فاعل هذا ظالم والأول أولى لقولهم سمعنا فتى الخ فإنه قال بهذا بعضهم مجيبا للمستفهمين لهم وهذا القائل هو الذي سمع إبراهيم يقول تالله لأكيدن أصنامكم ومعنى يذكرهم يعيبهم وقد سبق تحقيق مثل هذه العبارة وجملة يقال له إبراهيم صفة ثانية لفتى قال الزجاج وارتفع إبراهيم على معنى يقال له هو إبراهيم فهو على هذا خبر مبتدأ محذوف وقيل ارتفاعه على أنه مفعول ما لم يسم فاعله وقيل مرتفع على النداء ومن غرائب التدقيقات النحوية وعجائب التوجيهات الإعرابية أن الأعلم الشنتمري الأشبيلي قال إنه مرتفع على الإهمال قال ابن عطية ذهب إلى رفعه بغير شئ والفتى هو الشاب والفتاة الشابة قالوا فأتوا به على أعين الناس القائلون هم السائلون أمروا بعضهم أن يأتي به ظاهرا بمرأى من الناس قيل إنه لما بلغ الخبر نمروذ وأشراف قومه كرهوا أن يأخذوه بغير بينة فقالوا هذه المقالة ليكون ذلك حجة عليه يستحلون بها منه ما قد عزموا على أن يفعلوه به ومعنى لعلهم يشهدون لعلهم يحضرون عقابه حتى ينزجر غيره عن الاقتداء به في مثل هذا وقيل لعلهم يشهدون عليه بأنهم رأوه يكسر الأصنام أو لعلهم يشهدون طعنه على أصنامهم وجملة قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم مستأنفة جواب سؤال مقدر وفى الكلام حذف تقديره فجاء إبراهيم حين أتوا به فاستفهموه هل فعل ذلك لإقامة الحجة عليه في زعمهم قال بل فعله كبيرهم هذا أي قال إبراهيم مقيما للحجة عليهم مبكتا لهم بل فعله كبيرهم هذا مشيرا إلى الصنم الذي تركه ولم يكسره فاسألوهم إن كانوا ينطقون أي إن كانوا ممن يمكنه النطق ويقدر على الكلام ويفهم ما يقال له فيجيب عنه بما يطابقه أراد عليه الصلاة والسلام أن يبين لهم أن من لا يتكلم ولا يعلم ليس بمستحق للعبادة ولا يصح في العقل أن يطلق عليه أنه إله فأخرج الكلام مخرج التعريض لهم بما يوقعهم في الاعتراف بأن الجمادات التي عبدوها ليست بآلهة لأنهم إذا قالوا إنهم لا ينطقون قال لهم فكيف تعبدون من يعجز عن النطق ويقصر عن أن يعلم بما يقع عنده في المكان الذي هو فيه فهذا الكلام من باب فرض الباطل مع الخصم حتى تلزمه الحجة ويعترف بالحق فإن ذلك أقطع لشبهته وأدفع لمكابرته وقيل أراد إبراهيم عليه السلام بنسبة الفعل إلى ذلك الكبير من الأصنام أنه فعل ذلك لأنه غار وغضب من أن يعبد وتعبد الصغار معه إرشادا لهم إلى أن عبادة هذه الأصنام التي لا تسمع ولا تبصر ولا تنفع ولا تدفع لا تستحسن في العقل مع وجود خالقها وخالقهم والأول أولى وقرأ ابن السميفع بل فعله بتشديد اللام على معنى بل فلعل الفاعل كبيرهم فرجعوا إلى أنفسهم أي رجع بعضهم إلى بعض رجوع المنقطع عن حجته المتفطن لصحة حجة خصمه المراجع لعقله وذلك أنهم تنبهوا وفهموا عند هذه المقاولة بينهم وبين إبراهيم أن من لا يقدر على دفع المضرة عن نفسه ولا على الإضرار بمن فعل به ما فعله إبراهيم بتلك الأصنام يستحيل أن يكون مستحقا للعبادة ولهذا قالوا إنكم أنتم الظالمون أي قال بعضهم لبعض أنتم الظالمون لأنفسكم بعبادة هذه الجمادات وليس الظالم من نسبتم الظلم إليه بقولكم إنه لمن الظالمين ثم نكسوا على رؤوسهم أي رجعوا إلى جهلهم وعنادهم شبه سبحانه عودهم إلى الباطل بصيرورة أسفل الشئ أعلاه وقيل المعنى أنهم طأطئوا رؤوسهم خجلة من إبراهيم وهو ضعيف لأنه لم يقل نكسوا رؤوسهم بفتح الكاف وإسناد الفعل إليهم حتى يصح