الشوكاني

406

فتح القدير

والنهار ليتصرفوا فيه في معايشهم ، وخلق الشمس والقمر أي جعل الشمس آية النهار ، والقمر آية الليل ، ليعلموا عدد الشهور والحساب كما تقدم بيانه في سبحان ( كل في فلك يسبحون ) أي كل واحد من الشمس والقمر والنجوم في فلك يسبحون : أي يجرون في وسط الفلك ، ويسيرون بسرعة كالسابح في الماء ، والجمع في الفعل باعتبار المطالع ، قال سيبويه : إنه لما أخبر عنهن بفعل من يعقل ، وجعلهن في الطاعة بمنزلة من يعقل ، جعل الضمير عنهن ضمير العقلاء ، ولم يقل يسبحن أو تسبح ، وكذا قال الفراء . وقال الكسائي : إنما قال يسبحون لأنه رأس آية ، والفلك واحد أفلاك النجوم ، وأصل الكلمة من الدوران ، ومنه فلك المغزل لاستدارتها ( وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد ) أي دوام البقاء في الدنيا ( أفإن مت ) بأجلك المحتوم ( فهم الخالدون ) أي أفهم الخالدون . قال الفراء : جاء بالفاء لتدل على الشرط لأنه جواب قولهم سيموت . قال : ويجوز حذف الفاء وإضمارها ، والمعنى : إن مت فهم يموتون أيضا ، فلا شماتة في الموت . وقرئ " مت " بكسر الميم وضمها لغتان : وكان سبب نزول هذه الآية قول المشركين فيما حكاه الله عنهم - أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون - ( كل نفس ذائقة الموت ) أي زاهقة مفارقة جسدها ، فلا يبقى أحد من ذوات الأنفس المخلوقة كائنا ما كان ( ونبلوكم بالشر والخير فتنة ) أي نختبركم بالشدة والرخاء ، لننظر كيف شكركم وصبركم . والمراد أنه سبحانه يعاملهم معاملة من يبلوهم ، وفتنة مصدر لنبلوكم من غير لفظه ( وإلينا ترجعون ) لا إلى غيرنا فنجازيكم بأعمالكم إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر . وقد أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة قال : قالت اليهود إن الله عز وجل صاهر الجن فكانت بنيهم الملائكة ، فقال الله تكذيبا لهم ( بل عباد مكرمون ) أي الملائكة ليس كما قالوا ، بل عباد أكرمهم بعبادته ( لا يسبقونه بالقول ) يثني عليهم ( ولا يشفعون ) قال : لا تشفع الملائكة يوم القيامة ( إلا لمن ارتضى ) قال : لأهل التوحيد . وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله ( إلا لمن ارتضى ) قال : لأهل التوحيد لمن رضي عنه . وأخرج عبد بن حميد عن الحسن في الآية قال : قول لا إله إلا الله . وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث عن ابن عباس في الآية قال : الذين ارتضاهم لشهادة أن لا إله إلا الله . وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي في البعث عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تلا قوله تعالى " ولا يشفعون إلا لمن ارتضى " قال : إن شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي . وأخرج الفريابي وعبد بن حميد والحاكم وصححه والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله ( كانتا رتقا ففتقناهما ) قال : فتقت السماء بالغيث ، وفتقت الأرض بالنبات . وأخرج ابن أبي حاتم عنه ( كانتا رتقا ) قال : لا يخرج منهما شئ ، وذكر مثل ما تقدم . وأخرجه ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو نعيم في الحلية عنه أيضا من طريق أخرى . وأخرج ابن جرير عنه ( كانتا رتقا ) قال : ملتصقتين . وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي العالية في قوله ( وجعلنا من الماء كل شئ حي ) قال : نطفة الرجل . وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس ( وجعلنا فيها فجاجا سبلا ) قال : بين الجبال . وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ( كل في فلك ) قال : دوران ( يسبحون ) قال يجرون . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة عنه ( كل في فلك ) قال : فلك كفلكة المغزل ( يسبحون ) قال : يدورون في أبواب السماء . كما تدور الفلكة في المغزل . وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضا قال : هو فلك السماء . وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي عن عائشة قال : دخل أبو بكر على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقد مات فقبله وقال : وانبياه واخليلاه واصفياه ، ثم تلا ( وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد ) الآية ، وقوله - إنك ميت وإنهم ميتون - .