الشوكاني
402
فتح القدير
هي التعليلية ( وله من في السماوات والأرض ) عبيدا وملكا ، وهو خالقهم ورازقهم ومالكهم ، فكيف يجوز أن يكون له بعض مخلوقاته شريكا يعبد كما يعبد ، وهذه الجملة مقررة لما قبلها ( ومن عنده ) يعني الملائكة ، وفيه رد على القائلين بأن الملائكة بنات الله ، وفى التعبير عنهم بكونهم عنده إشارة إلى تشريفهم وكرامتهم ، وأنهم بمنزلة المقربين عند الملوك ، ثم وصفهم بقوله ( لا يستكبرون عن عبادته ) أي لا يتعاظمون ولا يأنفون عن عبادة الله سبحانه والتذلل له ( ولا يستحسرون ) أي لا يعيون ، مأخوذ من الحسير ، وهو البعير المنقطع بالإعياء والتعب ، يقال : حسر البعير يحسر حسورا أعيا وكل ، واستحسر وتحسر مثله وحسرته أنا حسرا ، يتعدى ولا يتعدى . قال أبو زيد : لا يكلون ، وقال ابن الأعرابي : لا يفشلون . قال الزجاج : معنى الآية أن هؤلاء الذين ذكرتم أنهم أولاد الله عباد الله لا يأنفون عن عبادته ولا يتعظمون عنها كقوله - إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته - وقيل المعنى : لا ينقطعون عن عبادته وهذه المعاني متقاربة ( يسبحون الليل والنهار لا يفترون ) أي ينزهون الله سبحانه دائما لا يضعفون عن ذلك ولا يسأمون ، وقيل يصلون الليل والنهار . قال الزجاج : مجرى التسبيح منهم كمجرى النفس منا لا يشغلنا عن النفس شئ ، فكذلك تسبيحهم دائم ، وهذه الجملة إما مستأنفة جواب سؤال مقدر ، أو في محل نصب على الحال ( أم اتخذوا آلهة من الأرض ) قال المفضل : مقصود هذا الاستفهام الجحد : أي لم يتخذوا آلهة تقدر على الإحياء ، وأم هي المنقطعة ، والهمزة لإنكار الوقوع . قال المبرد : إن أم هنا بمعنى هل : أي هل اتخذ هؤلاء المشركون آلهة من الأرض يحيون الموتى ، ولا تكون أم هنا بمعنى بل ، لأن ذلك يوجب لهم إنشاء الموتى إلا أن تقدر أم مع الاستفهام ، فتكون أم المنقطعة ، فيصح المعنى ، ومن الأرض متعلق باتخذوا ، أو بمحذوف هو صفة لآلهة ، ومعنى ( هم ينشرون ) هم يبعثون الموتى ، والجملة صفة لآلهة ، وهذه الجملة هي التي يدور عليها الإنكار والتجهيل ، لا نفس الاتخاذ ، فإنه واقع منهم لا محالة . والمعنى : بل اتخذوا آلهة من الأرض هم خاصة مع حقارتهم ينشرون الموتى ، وليس الأمر كذلك ، فإن ما اتخذوها آلهة بمعزل عن ذلك . قرأ الجمهور " ينشرون " بضم الياء وكسر الشين من أنشره : أي أحياه ، وقرأ الحسن بفتح الياء : أي يحيون ولا يموتون ، ثم إنه سبحانه أقام البرهان على بطلان تعدد الآلهة ، فقال ( لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ) أي لو كان في السماوات والأرض آلهة معبودون غير الله لفسدتا : أي لبطلتا ، يعني السماوات والأرض بما فيهما من المخلوقات . قال الكسائي وسيبويه والأخفش والزجاج وجمهور النحاة : إن إلا هنا ليست للاستثناء بل بمعنى غير صفة لآلهة ، ولذلك ارتفع الاسم الذي بعدها وظهر فيه إعراب غير التي جاءت إلا بمعناها ، ومنه قول الشاعر : وكل أخ مفارقه أخوه * لعمر أبيك إلا الفرقدان وقال الفراء : إن إلا هنا بمعنى سوى ، والمعنى : لو كان فيهما آلهة سوى الله لفسدتا ، ووجه الفساد أن كون مع الله إلها آخر يستلزم أن يكون كل واحد منهما قادرا على الاستبداد بالتصرف ، فيقع عند ذلك التنازع والاختلاف ويحدث بسببه الفساد اه ( فسبحان الله رب العرش عما يصفون ) الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها من ثبوت الوحدانية بالبرهان : أي تنزه عز وجل عما لا يليق به من ثبوت الشريك له ، وفيه إرشاد للعباد أن ينزهوا الرب سبحانه عما لا يليق به ( لا يسأل عما يفعل ) هذه الجملة مستأنفة مبينة أنه سبحانه لقوة سلطانه وعظيم جلاله لا يسأله أحد من خلقه عن شئ من قضائه وقدره ( وهم ) أي العباد ( يسألون ) عما يفعلون أي يسألهم الله عن ذلك لأنهم عبيده . وقيل إن المعنى أنه سبحانه لا يؤاخذ على أفعاله وهم يؤاخذون . قيل والمراد بذلك أنه سبحانه بين لعباده أن من يسأل عن أعماله كالمسيح والملائكة لا يصلح لأن يكون إلها ( أم اتخذوا من دونه آلهة ) أي بل اتخذوا ، وفيه